الامن القومي المصري خط أحمر.. اياد جوده

إن الأمن القومي المصري لم يكن يوما مجرد حدود جغرافية مرسومة على الخرائط السياسية بل هو حزام استراتيجي حيوي يمتد عميقا في الفضاءات الجيوسياسية التي تؤثر مباشرة على استقرار الدولة ومصالحها العليا وفي قلب هذا الحزام يبرز مضيق باب المندب كأحد أهم الممرات المائية الحاكمة في العالم والتي تمثل الامتداد العضوي والعمق الأمني لقناة السويس التي تشكل الشريان الاقتصادي النابض للدولة المصرية ومصدر دخلها الاستراتيجي.
ومن هنا فإن الارتباط بين المضيق والقناة ليس مجرد تواصل جغرافي بل هو تلازم مصيري متكامل يعني أن أي اضطراب أمني أو عسكري في جنوب البحر الأحمر ينعكس لحظيا وبشكل مباشر على حركة الملاحة والتجارة الدولية المتوجهة نحو الشمال مما يجعل أي تهديد بإغلاق مضيق باب المندب بمثابة استهداف مباشر للأمن القومي المصري واقتصاده الحياتي الذي يواجه تحديات مركبة في المرحلة الراهنة.
تتجلى الخطورة الكبرى في التطورات الأخيرة المرتبطة بالتهديدات المستمرة في منطقة البحر الأحمر والمتمثلة في العمليات العسكرية واستهداف السفن التجارية من قبل جماعة الحوثي وهو الأمر الذي وضع حرية الملاحة الدولية في مأزق حقيقي وأدى إلى تحول مسار العديد من سفن الشحن العملاقة نحو طريق رأس الرجاء الصالح مما يعني تراجعا في عوائد قناة السويس وضغطا إضافيا على الموازنة العامة للدولة المصرية التي تعتمد على هذه العوائد كركيزة أساسية للنقد الأجنبي.
وفي ظل هذه البيئة الإقليمية المعقدة والمشتعلة تجد الإدارة السياسية والدبلوماسية في مصر نفسها أمام مسؤولية تاريخية تحتم عليها التحرك بكل الوسائل المتاحة لحماية مصالحها العليا ومنع تفاقم الأزمة وتحولها إلى حصار بحري كامل يهدد شريانها الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق الواعي والبراغماتي تأتي الأنباء والتقارير حول إجراء مصر لاتصالات وفتح قنوات تواصل مباشرة مع جماعة الحوثي في اليمن لتعكس عمق الرؤية الاستراتيجية المصرية التي تعتمد على الواقعية السياسية والدبلوماسية الوقائية في إدارة الأزمات العابرة للحدود حيث تدرك القاهرة أن حماية أمنها القومي يتطلب أحيانا الحديث مع كافة الأطراف الفاعلة على الأرض لنزع فتيل الانفجار وتأمين الملاحة البحرية دون أن يعني ذلك بالضرورة اعترافا سياسيا أو تبنيا لمواقف تلك الأطراف بل هو إجراء حماية ضروري تفرضه الجغرافيا السياسية وتمليه المصلحة الوطنية العليا لضمان بقاء مضيق باب المندب مفتوحا وآمنا أمام حركة التجارة العالمية وضمان عدم انقطاع التدفقات المالية والاقتصادية المرتبطة بقناة السويس.
إن هذا التحرك المصري الحكيم يستوجب اصطفافا عربيا ودوليا كاملا ودعما مطلقا لجمهورية مصر العربية في كل ما تتخذه من تدابير سياسية أو عسكرية أو دبلوماسية لحماية حقوقها السيادية وأمنها القومي فنحن نقف مع مصر قلبا وقصدا إيمانا بأن استقرار الدولة المصرية هو صمام الأمان الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها وأن أي مساس بسلامة الملاحة في السويس أو باب المندب هو تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي ولحركة الاقتصاد العالمي ككل مما يجعل مساندة الرؤية المصرية واجبا قوميا للتأكيد على أن أمن مصر المائي والاقتصادي والسياسي هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو التهاون فيه وأن القدرة المصرية على إدارة التوازنات المعقدة في البحر الأحمر تظل هي الضمانة الأساسية لاستقرار هذا الشريان العالمي الحر.
وفي نهاية الحديث يحق لمصر حفظ امنها القومي بكل الطرق التي تراها مناسبة وانا لا أخفى حبي واصطفافي مع مصر الشقيقة ضد كل ما يعترض مصلحتها ويجب ان يعي الجميع ان انهيار مصر واقتصادها وجعلها دولة مأزومة هو رؤية ورغبة إسرائيلية وان أي ضعف في الجانب المصري هو هدية لإسرائيل التي لا ترديد ان ترى مصر كما نريد ان نراها ويراها كل العرب.
* الكاتب والمحلل السياسي



