حين تعود المدارس للحياة… الأنشطة الصيفية للأونروا ومساحة الأمل للأطفال.. بقلم: شريف الهركلي

في قطاع غزة، حيث تركت الحرب آثارها العميقة على الإنسان والحجر، تبدو أي مبادرة تستهدف الأطفال أكثر من مجرد نشاط عابر؛ فهي استثمار في المستقبل ورسالة تؤكد أن الحياة قادرة على الاستمرار رغم كل الصعوبات. ومن هذا المنطلق، تأتي الأنشطة الصيفية التي أطلقتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) لتمنح آلاف الأطفال فرصة للتعلم واللعب والتفاعل في بيئة آمنة تعيد إليهم شيئًا من الطفولة التي أثقلتها ظروف الحرب.
لقد تعرض الطلبة خلال الفترة الماضية لانقطاع طويل في العملية التعليمية، ما أدى إلى اتساع الفاقد التعليمي وحرمان الكثير منهم من حقهم الطبيعي في التعلم المنتظم. كما تركت الحرب آثارًا نفسية واجتماعية تحتاج إلى برامج متخصصة وجهود متواصلة للمساعدة في التخفيف من حدتها. وفي هذا السياق، تكتسب الأنشطة الصيفية أهمية خاصة، لأنها لا تقتصر على الجانب الترفيهي، بل تجمع بين التعليم والدعم النفسي والاجتماعي وتنمية المهارات في إطار متكامل يراعي احتياجات الأطفال وظروفهم.
إن انطلاق هذه الأنشطة في عشرات المواقع التابعة للأونروا في مختلف مناطق قطاع غزة يمثل خطوة مهمة نحو إعادة الحياة إلى المدارس، ليس بوصفها أماكن للتعليم فحسب، بل باعتبارها فضاءات للمعرفة والإبداع وبناء العلاقات الإنسانية. فالطفل الذي يعود إلى مدرسته للمشاركة في نشاط ثقافي أو رياضي أو فني، يستعيد جزءًا من شعوره بالأمان والانتماء، ويجد فرصة للتعبير عن نفسه واكتشاف قدراته بعيدًا عن أجواء القلق والخوف التي فرضتها الحرب.
كما تسهم هذه البرامج في تعزيز قيم التعاون والمبادرة والعمل الجماعي، وتمنح الأطفال فرصة لاكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم الإبداعية. فالرياضة والفنون والأنشطة الثقافية ليست ترفًا في حياة الأطفال، بل أدوات تربوية تساعد على بناء الشخصية وتعزيز الثقة بالنفس وترسيخ القيم الإيجابية.
وتبقى الأسرة شريكًا أساسيًا في إنجاح هذه الجهود، من خلال تشجيع الأبناء على المشاركة والاستفادة من الفرص المتاحة. فكل طفل يلتحق بهذه الأنشطة يخطو خطوة إضافية نحو التعافي والتعلم واستعادة الثقة بالمستقبل. كما أن المشاركة الواسعة في هذه البرامج تمثل رسالة مجتمعية تؤكد أن التعليم سيبقى أولوية وطنية وإنسانية مهما اشتدت الأزمات.
إن الأنشطة الصيفية للأونروا ليست مجرد برنامج موسمي ينتهي بانتهاء العطلة، بل رسالة تربوية وإنسانية تؤكد أن أطفال فلسطين يستحقون الحياة والتعليم والفرح، وأن الاستثمار فيهم هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله. وفي زمن تشتد فيه التحديات، تبقى المدرسة مساحة للأمل، ويبقى الطفل الفلسطيني جديرًا بكل جهد يفتح أمامه نافذة نحو المعرفة



