النبوءة بين الإيمان وصناعة الأحداث.. مازن المدهون

النبوءة لا تُعرف بصدقها إلا بعد وقوعها؛ فهي تتحقق بحدوثها، ويكون تحققها دلالة على صدق من أخبر بها. أما إذا لم تقع، فلا تكون نبوءة متحققة، وإذا تدخل البشر لصناعتها أو خلقوا الظروف المؤدية إليها عمدًا فإنها تفقد معناها بوصفها نبوءة لأنها تصبح نتاج إرادة الإنسان لا تجليًا لمشيئة الله. لهذا فإن الانشغال الدائم بإثبات صدق النبوءات قبل تحققها أو السعي إلى التعجيل بوقوعها هو في نظري ضرب من العبث. فما قدّره الله سيقع في وقته الذي أراده وستتهيأ أسبابه دون حاجة إلى تدخل البشر أو هندسة التاريخ وفق أهوائهم ورغباتهم ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾. ولعل من أبرز إشكالات كثير من الجماعات الدينية في الديانات السماوية الثلاث أنها انشغلت بصناعة الظروف التي تعتقد أنها تمهد لتحقيق نبوءاتها. فهناك من يرى في البقرة الحمراء وإعادة بناء الهيكل خطوة لتحقيق تصورات دينية معينة، وهناك تيارات مسيحية إنجيلية تؤمن بأن دعم هذا المشروع يمهد لعودة المسيح، وفي المقابل توجد جماعات إسلامية تتعامل مع أحداث آخر الزمان باعتبارها مشروعًا ينبغي الإعداد له وتسريع وقوعه. وفي اعتقادي، فإن هذا كله يمثل تجاوزًا لحدود الإنسان وتدخلًا في أمرٍ جعله الله من علم الغيب ومشيئته. فالإنسان لم يُخلق ليصنع النبوءات وإنما خُلق لعبادة الله وإعمار الأرض والتدبر في آياته وإقامة العدل والإحسان بين الناس. وأرى أن الحكمة من النبوءات بعد ختم الرسالات ليست دفع الناس إلى صناعة التاريخ، وإنما تثبيت الإيمان كلما تحققت في وقتها الذي أراده الله. فبعد أن خُتمت النبوة برسول الله محمد ﷺ، واكتمل الدين وانقطع الوحي بقيت النبوءات علاماتٍ تظهر في أوقاتها، فتجدد يقين المؤمنين وتقيم الحجة على من جاء بعد الأنبياء ولم يشهد معجزاتهم. وليس الدين محتاجًا إلى من يثبت صحته؛ فالحقيقة لا تزداد صدقًا بكثرة المدافعين عنها. وإنما الإنسان هو الذي يحتاج إلى ما يعزز يقينه ويقوي إيمانه. ولعل في تحقق بعض النبوءات عبر التاريخ ما يذكر الناس بصدق الرسل وكأن الرسالة الإلهية تقول: ألم يخبركم الأنبياء بذلك؟ وها أنتم ترونه يتحقق كما أخبروا. من هنا، فإن الانشغال بإثبات صحة الأديان عن طريق صناعة النبوءات أو التعجيل بها ليس هو جوهر الرسالات فالواجب على الإنسان أن يقوم بما كلفه الله به من عبادة وإعمار وإصلاح، وأن يترك الغيب لله وحده، لأنه سبحانه أعلم بموعد تحقق وعوده، وأقدر على إنفاذ مشيئته دون حاجة إلى تدخل البشر.



