جيل يتحلل تحت الشمس: حين تصبح أجساد أطفال غزة خرائط للألم

أ. نبيلة اسبيتان
الكاتبة والباحثة

في غزة، لم تعد الحرب تُقاس بعدد الشهداء والبيوت المدمرة فقط، بل بما تتركه من جراحٍ صامتة على أجساد الأطفال الذين ما زالوا يقاومون الحياة. فبعيداً عن أصوات القصف، تدور حرب أخرى أكثر قسوة، حيث تتحول الخيام المكتظة إلى بؤرٍ للأمراض، وتصبح أجساد الصغار خرائط للألم.
اليوم، يواجه أطفال غزة عدواً لا يقل فتكاً عن القذائف؛ الجرب والقمل والالتهابات الجلدية التي انتشرت مع انهيار المنظومة الصحية، وشح المياه النظيفة، وتردي خدمات الصرف الصحي. وتشير التقديرات إلى تسجيل أكثر من 125 ألف حالة إصابة بالأمراض الجلدية منذ مطلع عام 2026، معظمها بين الأطفال، في مشهد يجسد حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
ولا تقف المأساة عند هذا الحد، إذ تعيش مخيمات النزوح أزمة متفاقمة بسبب الانتشار الواسع للقوارض والحشرات، نتيجة تراكم آلاف الأطنان من النفايات، وتعطل شبكات الصرف الصحي، وغياب عمليات المكافحة. فقد أصبحت الفئران والذباب والبعوض والصراصير جزءاً من الحياة اليومية داخل الخيام، تنقل الأمراض، وتلوث الطعام والمياه، وتضاعف معاناة الأطفال الذين ينامون ويستيقظون في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة والسلامة.
في مخيمات النزوح، ينام الأطفال على وقع الحكة والألم أكثر مما ينامون على وسائدهم. وتستيقظ الأمهات ليلاً على بكاء أبنائهن، عاجزات عن توفير دواء أو حتى ماء يكفي لتخفيف معاناتهم. أما المستشفيات، فقد أنهكتها الحرب حتى باتت تفتقر إلى أبسط الأدوية والعلاجات الأساسية، بينما تتزايد أعداد المرضى يوماً بعد يوم.
إن ما يحدث ليس مجرد أزمة صحية، بل انهيار كامل لشروط الحياة الإنسانية، واعتداء صارخ على حق الأطفال في الصحة والكرامة. فكل إصابة ليست رقماً في تقرير، بل قصة طفل حُرم من طفولته، وجسد صغير يواجه المرض في ظروف لا تليق بالبشر.
غزة اليوم لا تفقد أبناءها بالموت وحده، بل تستنزفهم الأمراض والحرمان والبيئة الملوثة، في تهديد مباشر لمستقبل جيل كامل. ويبقى السؤال الأخلاقي قائماً: كم طفلاً آخر يجب أن يتألم قبل أن يتحول التعاطف إلى فعل، وتصبح حماية هذا الجيل أولوية إنسانية عاجلة لا تحتمل التأجيل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com