من أليونان إلى فلسطين ، دروس لا يطويها الزمن..  د. مروان إميل طوباسي 

في مثل هذه الأيام من عام ١٩٤٣ ، كتب الشعب اليوناني إحدى أنصع صفحات مقاومته للأحتلال النازي ، عندما خرج عشرات الآلاف إلى شوارع أثينا رفضاً لمخطط توسيع منطقة الأحتلال وفرض وقائع جديدة على الأرض والهوية . وبرغم سقوط الشهداء والجرحى ، اضطر الأحتلال في النهاية إلى التراجع أمام الإرادة الشعبية.

ولم يكن ذلك الإنجاز وليد لحظة غضب عابرة ، بل جاء ثمرة عَمل جبهة التحرير الوطني اليونانية التي نجحت في تشكيل ائتلاف وطني واسع ضم الأحزاب والقوى السياسية والنقابات والمنظمات الشعبية ، فيما تولى جيش التحرير الشعبي اليوناني قيادة الكفاح المسلح ضد الأحتلال . وقد أدرك اليونانيون مبكراً أن مواجهة مشروع استعماري بهذا الحجم لا يمكن أن تنجح إلا بوحدة القوى الوطنية حول هدف التحرر ، مع احترام التعددية السياسية والفكرية داخل المجتمع واتقان ابتداع وسائل النضال .

ولا يُستحضر هذا الحدث لإجراء مقارنة بين تجربتين مختلفتين ، وإنما لاستخلاص درس تاريخي ما زال صالحاً حتى اليوم ، فمشاريع الأحتلال والأستيطان التي لا تنتظر ذرائع منذ بداية جريمة النكبة المستمرة ، لا تُواجه بالتمني وبيانات الإدانة ، وإنما بإرادة شعبية منظمة ، ووحدة وطنية ، ووضوح في المشروع التحرري وفق استراتيجية واضحة ترتبط بارادة سياسية مستقلة .

وهذا الدرس يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لشعبنا الفلسطيني ، في ظل التصعيد المتواصل لحرب الإبادة في غزة ، واتساع إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية ، وتسارع المشروع الأستيطاني الإحلالي الذي يستهدف تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى معازل منفصلة واعادة تشكيل الديمغرافيا في كل أرض فلسطين التاريخية من خلال التهجير ، بالتوازي مع محاولات فرض تفكيك القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مجرد قضية إدارة سكان وأزمة إنسانية ، بما يتوافق مع صفقة القرن ولاحقا خطط التطبيع ومن ثم مشروع مجلس السلام برئاسة ترامب .

لقد أثبتت التجربة اليونانية أن الأحتلال لا يتراجع لمجرد انكشاف جرائمه ، بل عندما يواجه شعباً منظماً يتمسك بأرضه وحقوقه . ومن هنا ، فإن أهمية توثيق جرائم الأحتلال الإسرائيلي ، رغم ضرورتها القانونية والأخلاقية والسياسية ، لا تكفي وحدها . فالكاميرا توثق الجريمة ، لكنها لا تمنع مصادرة الأرض ، ولا توقف الأستيطان ، ولا تحمي القرى من اعتداءات المستوطنين إذا لم تقترن بصمود الناس على أرضهم ، وبمقاومة شعبية واسعة ومنظمة ، وباستخدام جميع أشكال النضال المشروعة ومنها السلمية التي يكفلها القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الأحتلال ، واستخدام التوثيق والبث الحي امام العالم لمواصلة المقاومة القانونية والدبلوماسية والسياسية على الساحة الدولية لفرض الحماية الدولية لحين تقرير المصير وإنهاء الأحتلال بعيدا عن محاولات فرض الوصاية التي ابتدائها ترامب على غزة .

إن ما يحتاجه شعبنا اليوم ليس فقط توثيق المأساة ، بل تحويل هذا التوثيق إلى عنصر قوة ضمن استراتيجية وطنية متكاملة ، تستند إلى وضوح المشروع التحرري وإعادة بناء الوحدة الوطنية العريضة لمكونات شعبنا وتفعيل دور مؤسسات منظمة التحرير بمنهج ديمقراطي ، وتعزيز صمود المواطنين بدل زيادة الأعباء عليهم ، وتوسيع المقاومة الشعبية المتاحة ، وحشد أوسع تضامن دولي لعزل نظام الإستعمار الاستيطاني والتمييز العنصري ومساءلته .

لقد أثبت التاريخ ، في اليونان كما في فلسطين وفي تجارب شعوب أخرى ، أن الأحتلال ليس قدراً أبدياً حتى ولو كان استعمارياً كالحالة في فلسطين ، وأن الشعوب التي تمتلك إرادة الصمود ، وتنجح في توحيد قواها حول مشروعها الوطني التحرري ، قادرة على إحباط أخطر المخططات ، مهما أختل ميزان القوة العسكرية الذي يمتلك الأحتلال فيه اليد الطولى .

إنها ليست مجرد ذكرى من الماضي ، بل رسالة إلى الحاضر ، فالحرية لا تُمنح ، ولا يصنعها انتظار العدالة وحده ، وإنما تصنعها ارادة شعب يتمسك بأرضه ، ويوحد صفوفه ويتقن فَن الإنتقال من شكل لآخر في وسائل الكفاح الوطني دون الأستسلام لفرض وقائع جديدة ، ويواصل نضاله المشروع وفق الحقوق التاريخية والسياسية والقرارات الأممية حتى ينال حقه في العدالة والحرية والأستقلال الوطني .

* عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com