نساء غزة بين ثقل الواقع وضرورة التعافي.. بقلم: د. سلامة أبو زعيتر

تقف المرأة اليوم في غزة في قلب الاختبار الإنساني الأكثر قسوة، حيث تتجاوز أبعاد معاناتها حدود الفقد المادي لتلامس أعمق طبقات الاستقرار النفسي والاجتماعي،ففي ظروف استثنائية يغيب فيها الأمن وتتلاشى مقومات الحياة الأساسية، لا تُعد المرأة الفلسطينية في قطاع غزة مجرد شريحة متأثرة بالأزمة، بل هي حجر الزاوية الذي يُبقِي المنظومة الأسرية والمجتمعية متماسكة؛ فهي الأم التي تُدير النزوح، والرعائية التي تلملم جراح الأطفال، والمعيلة التي تحاول خلق الحياة من بين الركام، وهذا الثقل المركّب، الذي يُفرض على النساء يومياً دون متنفس أو مساحة لالتقاط الأنفاس، يضعهن تحت وطأة ضغوط نفسية حادة واحتراق صامت يتسلل إلى تفاصيل حياتهن، مما يجعل ملف دعمهن وحمايتهن النفسية والاجتماعية أولوية مجتمعية وإنسانية لا تقبل التأجيل.. فكيف نساندهن في أوقات الشدة؟
إن تشخيص الواقع النفسي للمرأة في هذه المرحلة يظهر حجم الصدمات التراكمية الناتجة عن انعدام الأمان، وفقدان الخصوصية في بيئات الإيواء المكتظة، والحرص الدائم على حماية الأبناء على حساب سلامتها الذاتية، وإن المرأة غالباً ما تؤجل حزنها ومعاناتها النفسية لتتفرغ لتأمين احتياجات عائلتها وتغطية متطلباتهم من مأكل ومشرب وملبس، مع تقديم خدمة كاملة في مخيمات النزوح كالغسيل والطبخ وغيرهما، وهو ما يؤدي إلى تراكم القلق وتفاقم أعراض الإجهاد النفسي الحاد، ويتضاعف هذا العبء بشكل مضاعف لدى الشرائح الأكثر هشاشة؛ كالأرامل، وزوجات الجرحى والمفقودين، والنساء ذوات الإعاقة، اللاتي يواجهن واقع المعيشة القاسي بمسؤولية فردية مطلقة، يضاف إلى ذلك التدهور الاجتماعي القسري الذي يحرم المرأة من أدوارها الطبيعية ومن شبكات الدعم الأسري التقليدية، مما يضاعف من شعورها بالعزلة والإنهاك، وينعكس مباشرة على النواة الأكثر هشاشة في الأسرة، وهم الأطفال.
فالطفل في أوقات الأزمات يقرأ واقعه النفسي من خلال انفعالات أمه؛ وحين تكون الأم تحت استنزاف نفسي دائم دون إسناد، ينتقل هذا التوتر بشكل غير مباشر إلى الأطفال على شكل نوبات خوف، واضطرابات نوم، وسلوكيات انسحابية أو عدوانية، وإن الأم هي الملاذ والأمان الوحيد المتبقي للطفل في غزة، وإذا انهارت طاقتها أو استُنزف حنانها تحت ثقل ظروف المعيشة القاسية، يفقِد الطفل خط الدفاع النفسي الأخير، ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لمساندة الأم وتزويدها بالمهارات والأدوات الأساسية التي تُمكنها من تقديم الدعم النفسي الأولي لأطفالها؛ كإتاحة مساحات للعب والتعبير التفريغي داخل أماكن النزوح، وتدريبها على كيفية تهدئة روع الأطفال وقت الخطر، وطمأنتهم بأساليب بسيطة تُعيد إليهم الشعور بالأمان والسكينة وسط الركام.
ومع ذلك، فإن قراءة هذا الواقع يجب ألا تقف عند حدود تصوير المرأة كـضحية فقط، بل يجب الاستناد إلى كونها صانعة للفارق والفاعل الأبرز في مواجهة التداعيات، فالدعم الحقيقي يبدأ من الإدراك بأن مساندة المرأة هي استثمار مباشر في تعافي المجتمع بأكمله، ولكي تُترجم هذه المساندة إلى أثر ملموس، يحتاج العمل الإنساني والمجتمعي إلى تبني تدخلات مكيّفة تراعي كرامتها وخصوصيتها؛ عبر توفير خدمات الإسعاف النفسي الأولي، وإنشاء مساحات آمنة وصديقة داخل أماكن الإيواء والنزوح تتيح للنساء التفريغ النفسي والتواصل التضامني، إضافة إلى دمج التعافي النفسي بفرص التمكين الاقتصادي الميسر والصغير الذي يعيد للمرأة شعورها بالإنتاجية والاستقلالية، إلى جانب ضمان وصول المستلزمات الصحية والخاصة بعيداً عن التعقيد أو الحرج.
وأخيراً، إن إسناد النساء في غزة لا يتحقق بالحلول الإسقاطية المفروضة من الخارج، بل بتفعيل دورهن المباشر في إدارة الأزمة وتخطيط الحلول المجتمعية داخل مراكز ومناطق التواجد، ورعاية شبكات الدعم النسوي الذاتي والمبادرات التلقائية التي تُطلقها النساء أنفسهن داخل مخيمات الإيواء، وإن منصات الاستجابة الإنسانية والمؤسسات المحلية مطالبة اليوم بالإنصات الصادق لاحتياجات النساء النفسية والاجتماعية، وتزويدهن بأدوات التمكين والحماية التي تحفظ كرامتهن وتصون صلابتهن، فالوفاء للمرأة في هذه الأوقات العصيبة ليس تفضلاً أو استجابة هامشية، بل هو الواجب الأخلاقي والوطني الذي يضمن بقاء النسيج المجتمعي متماسكاً وقادراً على النهوض من جديد.
Dr. Salama .M.S. Abu Zuaiter
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005



