حين يصبح الجهل يقينًا … كيف نصنع من ظنوننا واقعًا نؤمن به؟.. بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

ليست المشكلة الكبرى أن يجهل الإنسان بعض الأشياء؛ فالجهل، مهما اتسعت معارفنا، يظل جزءًا من طبيعتنا الإنسانية.
المشكلة الأخطر تبدأ حين لا نعرف أننا لا نعرف؛ حين نملأ فراغ المعرفة بالظن، ونستبدل السؤال بالافتراض، والانطباع بالحقيقة، ثم نبني على ذلك أحكامًا ومواقف قد تبدو لنا يقينية، بينما هي في جوهرها قائمة على معرفة ناقصة ورؤية مبتورة.
إنَّ نقص المعلومات، وضحالة الفكر والثقافة والمعرفة، لا تحجب عن الإنسان بعض الحقائق فحسب، بل قد تصنع أمام عينيه واقعًا مشوشًا؛ فيرى الأشياء من زاوية واحدة، ويفسر الأحداث بأدوات محدودة، ثم يظن أنه أحاط بالصورة كاملة.
فالإنسان لا يرى الواقع كما هو بصورة مجردة، وإنما يراه من خلال ما يملكه من معرفة وتجربة وثقافة، ومن خلال قدرته على السؤال والتحليل والمقارنة والنقد.
وكلما اتسعت هذه الأدوات، اتسعت زاوية الرؤية، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين المعلومة والتفسير، وبين ما يعرفه حقًا وما يظنه أو يتخيله.
أما حين تضيق دائرة المعرفة، تضيق معها زاوية النظر؛ فيتحول الجزء إلى كلٍّ، والاحتمال إلى يقين، والانطباع إلى حكم، والموقف المسبق إلى حقيقة لا تقبل النقاش.
وهنا يبدأ سوء الفهم…
فقد لا تكون المشكلة في الواقع نفسه، وإنما في الأداة التي ننظر بها إليه.
فالعين المحدودة لا ترى المشهد كله، والعقل المحاصر بقناعة مسبقة قد لا يرى من الحقيقة إلا ما ينسجم معها.
ولهذا يمكن لشخصين أن يشاهدا الحدث نفسه، ثم يخرجا منه بصورتين متناقضتين؛ ليس لأن الواقع قد تغير، وإنما لأن أدوات قراءتهما له مختلفة.
والثقافة، في معناها الحقيقي، ليست تراكمًا للمعلومات ولا كثرةً في المحفوظات؛ إنها القدرة على أن نضع المعلومة في سياقها، وأن نسأل عن مصدرها، وأن نقارنها بغيرها، وأن نميز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة وتفسيرها، وبين ما نعرفه وما لا يزال بحاجة إلى تحقق.
فقد يحمل الإنسان عشرات المعلومات، لكنه يفتقر إلى البصيرة التي تربط بينها.
وقد يقرأ كثيرًا، لكنه لا يمتلك أدوات النقد. وقد يعرف تفاصيل كثيرة عن الأشياء، لكنه يعجز عن رؤية الصورة الأوسع التي تمنح تلك التفاصيل معناها.
وهنا تكمن مفارقة المعرفة: كلما اتسعت معرفة الإنسان، اتسع إدراكه لما يجهله؛ وكلما ضاقت معرفته، ازداد احتمال أن يظن أنه يعرف كل شيء.
ولهذا قد يكون الإنسان قليل المعرفة، لكنه أكثر وعيًا من غيره، إذا كان يعرف حدود معرفته، ويملك شجاعة السؤال والاستماع والتعلم.
وفي المقابل، قد يكون واسع الاطلاع، لكنه أسير قناعاته، يستخدم ما يعرفه لا للبحث عن الحقيقة، وإنما للدفاع عن موقف اتخذه مسبقًا.
عندها يتحول العقل من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة لتبريرها كما نريدها أن تكون.
وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث للوعي الإنساني.
فالتفكير الناضج لا يبدأ دائمًا من السؤال: كيف أثبت أنني على حق؟
بل يبدأ من سؤال أكثر نزاهة: ماذا لو كنت مخطئًا؟ وما الذي لا أعرفه بعد؟ وما المعلومات التي يمكن أن تغير حكمي؟
إن الاعتراف بإمكان الخطأ ليس ضعفًا، بل قوة؛ لأن الإنسان الذي يستطيع مراجعة فكرته يظل قادرًا على التعلم، أما الذي يجعل من رأيه حقيقة نهائية، فإنه يغلق على نفسه باب التطور.
وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم تعد المشكلة الأساسية في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على التمييز بينها.
فليست كل معلومة معرفة، ولا كل رواية حقيقة، ولا كل ما ينتشر صحيحًا.
وقد يكون التضليل أكثر خطورة حين يحمل جزءًا من الحقيقة؛ لأن نصف الحقيقة قد يكون أكثر قدرة على خداع العقل من الكذبة الصريحة.
وقد تُقتطع واقعة صحيحة من سياقها، أو تُعرض معلومة حقيقية دون مقدماتها ونتائجها، أو تُربط أحداث متباعدة بعلاقة لا وجود لها؛ فينشأ في ذهن المتلقي واقع آخر يبدو متماسكًا، لكنه ليس الواقع الذي حدث بالفعل.
وهنا تصبح سلامة الرؤية مرتبطة بسلامة أدوات التفكير.
نحن لا نحتاج إلى إنسان يعرف كل شيء؛ فهذا مستحيل.
نحتاج إلى إنسان يعرف كيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يصغي، وكيف يقارن، وكيف يراجع استنتاجه حين تستدعي الوقائع ذلك.
إنسان لا يخجل من قول: «لا أعرف»، ولا يرى في قول «ربما أكون مخطئًا» انتقاصًا من كرامته أو مكانته.
فالنضج الفكري ليس أن تمتلك الإجابة دائمًا، وإنما أن تعرف متى تحتاج إلى سؤال جديد.
وفي النهاية، ليس أخطر ما يواجه العقل أن يجهل حقيقة، وإنما أن يعتقد أنه أدركها كاملة، وهو لم يرَ منها إلا جانبًا واحدًا.
فحين تغيب المعرفة يملأ الظن فراغها، وحين يغيب النقد يتحول الظن إلى يقين، وحين يتحول اليقين إلى تعصب، يصبح الإنسان أسيرًا لصورة صنعها عن الواقع، لا للواقع نفسه.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يرافقنا جميعًا ليس فقط:
ماذا أعرف؟
بل:
كيف عرفت؟ وماذا لا أعرف؟ وهل ما أراه هو الواقع فعلًا، أم الصورة التي صنعتها معرفتي المحدودة عنه؟
فمن هنا تبدأ الرحلة من المعلومة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الوعي، ومن الوعي إلى البصيرة.
وهنا يبدأ الإنسان في اكتشاف الحقيقة الأهم:
أن معرفة حدود ما نعرف، قد تكون أحيانًا أعمق من معرفة ما نعرفه.
د. عبد الرحيم محمود جاموس
14/8/2026 م
طابت أوقاتكم 🌺
حين يصبح الجهل يقينا: قراءة سياسية فكرية

بقلم: د. عادل جوده -من العراق
يأتي نص د. عبدالرحيم جاموس «حين يصبح الجهل يقينا» بوصفه نصا فكريا يتجاوز التأمل في مفهوم الجهل والمعرفة، ليضع يده على واحدة من أخطر أزمات الوعي السياسي المعاصر: كيف تتحول المعلومة الناقصة إلى قناعة، والقناعة إلى يقين، واليقين إلى موقف لا يقبل المراجعة؟
تكمن أهمية النص في أنه لا ينظر إلى الجهل باعتباره غيابا للمعلومات، بل باعتباره حالة ذهنية قد تصبح أكثر خطورة حين يجهل الإنسان أنه يجهل. فالمشكلة لا تبدأ عندما نقول «لا أعرف»، وإنما عندما نملأ فراغ المعرفة بالظنون، ثم نتعامل مع تلك الظنون كما لو كانت حقائق مكتملة.
ومن هنا تكتسب الفكرة بعدها السياسي العميق.
فالسياسة لا تصنعها الوقائع وحدها، وإنما تصنعها أيضا طريقة تقديمها وتفسيرها وتوظيفها. وقد يشاهد الناس الحدث نفسه، ثم يخرج كل منهم برؤية مختلفة، لأنهم ينظرون إليه من خلال تجاربهم وثقافتهم ومصالحهم وصورهم المسبقة.
وهنا تكمن خطورة الإعلام والخطاب السياسي حين يتحولان من أدوات لنقل الحقيقة إلى أدوات لصناعة الانطباع. فالكذبة الصريحة قد يسهل اكتشافها، أما الحقيقة المبتورة فتكون أكثر قدرة على التضليل.. لأن جزءا من الحقيقة يمنح الرواية الموجهة مصداقية، بينما يؤدي حذف السياق أو انتقاء الوقائع أو تضخيم حدث وإخفاء آخر إلى صناعة صورة تبدو متماسكة، لكنها قد تكون بعيدة عن حقيقة المشهد.
ويفتح النص كذلك بابا مهما على أزمة الوعي اليوم، حيث لا يبحث الإنسان دائما عن الحقيقة التي قد تغير رأيه، بل قد يبحث عن المعلومات التي تؤكد رأيه.
وهكذا تتشكل دوائر مغلقة من القناعات، يسمع فيها الفرد ما يحب، ويرى ما يوافقه، ثم يظن أن كثرة من يشاركونه الرأي دليل على صحة موقفه.
وهنا يتحول الاختلاف السياسي من ظاهرة طبيعية إلى صراع بين يقينيات مغلقة. فحين يعتقد كل طرف أنه يمتلك الحقيقة، يصبح المختلف معه جاهلا أو خصما أو عدوا، وتضيق مساحة الحوار، وتتراجع القدرة على الاعتراف بالخطأ.
وهذا أخطر ما يصيب المجال العام.. لأن الثقافة السياسية السليمة لا تقوم على تطابق الآراء، بل على إدارة الاختلاف بالحجة واحترام حق المراجعة.
ومن أكثر الأفكار نضجا في النص دعوته إلى سؤال: «ماذا لو كنت مخطئا؟». فهذا السؤال ليس علامة ضعف، بل دليل قوة ونضج؛ لأنه يفتح العقل أمام احتمال التعلم، ويمنع القناعة من التحول إلى سجن فكري.
فالإنسان الذي يراجع موقفه عندما تتغير الوقائع أكثر وعيا من إنسان يرفض الحقيقة الجديدة لأنها تهدد موقفا اتخذه مسبقا.
كما يلفت النص إلى أن الثقافة ليست كثرة معلومات أو تراكم محفوظات، وإنما قدرة على فهم السياق، والتحقق من المصادر، والمقارنة بين الروايات، والتمييز بين الخبر والتفسير، وبين الحقيقة والانطباع.
ولهذا قد يكون قليل المعرفة أكثر وعيا من واسع الاطلاع إذا عرف حدود معرفته، وامتلك شجاعة السؤال والتعلم.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات هو ضعف أدوات التمييز.
فالمعلومة لا تصبح معرفة إلا بالفهم، والمعرفة لا تصبح وعيا إلا بالنقد، والوعي بصيرة حين يدرك الإنسان حدود ما يعرف.
ومن هنا تتجاوز رسالة جاموس حدود المقال الفكري إلى دعوة سياسية لإعادة بناء العقل على أساس السؤال والتحقق والمراجعة. والمجتمع الذي يتعلم أفراده كيف يفكرون يصبح أقل قابلية للتضليل.
وفي النهاية، يضعنا النص أمام حقيقة دالة:
ليست المشكلة أن نجهل بعض الحقائق، وإنما أن نحول جهلنا بها إلى يقين.
فالعقل الحر ليس عقلا بلا موقف، بل عقل يمتلك موقفا ويظل قادرا على مراجعته.
وربما تكون أعظم درجات الوعي أن نعرف ليس فقط ماذا نعرف، بل كيف عرفناه، وماذا لا نعرف بعد.
تلك هي الرحلة من المعلومة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الوعي، ومن الوعي إلى البصيرة.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



