عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني الدكتور أحمد مجدلاني في حوار خاص وشامل وحصري

غزة / أجرى الحوار: رامي الغف
في مرحلة فلسطينية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها تداعيات الحرب على قطاع غزة مع التحديات السياسية والميدانية في الضفة الغربية، وتتزايد الضغوط على المشروع الوطني الفلسطيني، تبرز الحاجة إلى قراءة سياسية تتجاوز توصيف الواقع إلى البحث عن مخارج وحلول قابلة للتحقق.
وفي هذا السياق، يأتي حوارنا الخاص والحصري مع الدكتور أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، للوقوف على أبرز الملفات التي تشغل الساحة الفلسطينية، من مستقبل قطاع غزة وإعادة الإعمار، إلى الوحدة الوطنية وإعادة بناء النظام السياسي وتجديد الشرعيات، وصولاً إلى الانتخابات الفلسطينية ودور منظمة التحرير في المرحلة المقبلة.
ويتناول الحوار كذلك التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية والدولية، والسياسات الإسرائيلية المتصاعدة، والجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، إلى جانب رؤية مجدلاني لمتطلبات المرحلة المقبلة، وما الذي ينبغي على القوى السياسية الفلسطينية فعله للخروج من حالة الانقسام واستعادة المبادرة الوطنية.
وفي ظل حديثه المتواصل عن أهمية تجديد النظام السياسي وتوسيع المشاركة الديمقراطية وبناء تحالفات وطنية، يضع الدكتور أحمد مجدلاني رؤيته أمام الرأي العام، في حوار يبحث في الأسئلة الصعبة، ويقترب من الملفات الأكثر حساسية، في محاولة لفهم إلى أين تتجه القضية الفلسطينية، وما الذي يمكن فعله لإنقاذ المشروع الوطني وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.
دكتور أحمد مجدلاني، نرحب بكم في هذا الحوار الخاص، ونشكركم على إتاحة هذه الفرصة للحديث بصراحة ووضوح حول أبرز الملفات السياسية والوطنية، في ظل مرحلة فلسطينية بالغة الحساسية والتعقيد.
*دكتور مجدلاني، هل بدأ بالفعل رسم ملامح اليوم التالي في غزة؟
نعم، بدأ بالفعل رسم ملامح المرحلة المقبلة في غزة، وهناك نقاشات واتصالات وأفكار متعددة تطرح على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، لكن القضية الأساسية ليست فقط أن هناك من يحاول رسم مستقبل غزة، وإنما السؤال الأهم هو: من يرسم هذا المستقبل، وبأي إرادة، ولأي هدف، وتحت أي مرجعية سياسية وقانونية؟
نحن نعتقد أن «اليوم التالي» في غزة لا يجوز اختزاله في ترتيبات أمنية أو إدارية مؤقتة، ولا في إدارة شؤون السكان وتقديم المساعدات، وإنما ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية سياسية فلسطينية شاملة تعيد تثبيت وحدة النظام السياسي والجغرافي والقانوني الفلسطيني، وتضع قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ضمن إطار سياسي وطني واحد، وضمن الولاية السياسية والقانونية لدولة فلسطين.
غزة ليست قضية إغاثية أو أمنية منفصلة عن القضية الفلسطينية، وليست مساحة جغرافية يمكن إعادة ترتيبها وفق تفاهمات إقليمية أو دولية بمعزل عن الشعب الفلسطيني وقيادته ومؤسساته الوطنية، وغزة جزء أصيل من دولة فلسطين، وجزء لا يتجزأ من وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي الفلسطيني، وبالتالي فإن أي ترتيبات لليوم التالي يجب أن تقود إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، لا إلى إعادة إنتاج الانقسام بصيغة جديدة أو تحت عناوين مختلفة.
ومن هنا، فإننا نرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على مرتكزات مترابطة ومتكاملة: وقف الحرب والعدوان، حماية الشعب الفلسطيني، ضمان وحدة الأرض والشعب والنظام السياسي، توحيد المؤسسات، وبدء عملية إعادة إعمار شاملة تقودها إدارة فلسطينية مسؤولة وذات شرعية وطنية، وبدعم عربي ودولي واسع.
والأهم أن «اليوم التالي» لا يجوز أن يتحول إلى «يوم بلا فلسطينيين»، أو إلى ترتيبات يتم وضعها فوق إرادة الشعب الفلسطيني، ونحن مع الانفتاح على كل جهد عربي ودولي يساعد شعبنا ويخفف معاناته ويدعم إعادة الإعمار، لكن القرار السياسي بشأن مستقبل غزة يجب أن يبقى فلسطينياً، وأن يكون ضمن إطار وطني جامع، وعلى قاعدة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
إن المعركة في هذا السياق ليست فقط حول شكل الإدارة في غزة، وإنما حول منع تحويل القطاع إلى كيان منفصل أو منطقة نفوذ أو ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية، ولذلك فإن «اليوم التالي» يجب أن يكون بوابة للعودة إلى المسار الوطني الفلسطيني، وليس مدخلاً لإعادة صياغة الانقسام.
* هل هناك تفاهم فلسطيني حقيقي حول الجهة التي ستتولى إدارة القطاع؟
لا أعتقد أن المسألة وصلت حتى الآن إلى صيغة نهائية ومتوافق عليها فلسطينياً، ولذلك لا ينبغي التعامل مع أي ترتيبات يجري تداولها وكأنها أصبحت أمراً واقعاً أو قراراً نهائياً، وما نحتاج إليه هو تفاهم فلسطيني حقيقي يسبق التفاهمات الخارجية، أو على الأقل يضع لها الإطار السياسي الوطني الصحيح.
نحن لا نبحث عن حكومة فصيل، ولا عن إدارة فصيل، ولا نريد إعادة إنتاج تجربة الانقسام من خلال استبدال طرف بآخر، وما نحتاج إليه هو صيغة وطنية قادرة على إدارة شؤون الناس، وتوحيد المؤسسات، والاستجابة للكارثة الإنسانية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات العامة، والتحضير لعودة الحياة السياسية والديمقراطية إلى مسارها الطبيعي.
ولهذا فإننا لا نرى تعارضاً بين أن تكون هناك إدارة مدنية من الكفاءات والمستقلين وبين أن تكون هذه الإدارة جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، وعلى العكس، يمكن أن تكون الإدارة المهنية والوطنية للكفاءات أحد عناصر الحل إذا جرى وضعها في إطار سياسي واضح، وكانت مهمتها إدارة المرحلة الانتقالية وخدمة المواطنين وإعادة بناء المؤسسات، وليس إنتاج كيان سياسي جديد في قطاع غزة.
والمعادلة التي نتمسك بها واضحة: لا عودة إلى إدارة الانقسام، ولا قبول بإدارة خارجية، ولا وصاية على الشعب الفلسطيني، ولا فصل لقطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، ولا إنشاء هياكل سياسية موازية للنظام الوطني الفلسطيني.
* لقاء العلمين بين حماس والتيار الإصلاحي في فتح برئاسة محمد دحلان.. هل يمثل بداية لمسار توافق فلسطيني جديد؟
أي لقاء فلسطيني، إذا كان هدفه إنهاء الانقسام وتوحيد الصف الوطني وفتح الطريق أمام إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة، ينبغي أن ننظر إليه بإيجابية من حيث المبدأ، لكننا نميز بوضوح بين الحوار الوطني الشامل الذي يستهدف إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وبين التفاهمات التي قد تنشأ بين قوى أو تيارات فلسطينية خارج إطار الحوار الوطني الجامع.
نحن لسنا ضد الحوار مع أحد، ولسنا ضد مشاركة أي فلسطيني في الحياة السياسية، وفق القانون والأطر الوطنية والقواعد الديمقراطية، لكن المطلوب ألا تتحول غزة إلى ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز وقوى مختلفة، أو إلى مجال لإنتاج توازنات جديدة لا تعالج أصل المشكلة الفلسطينية.
إذا كان لقاء العلمين يمكن أن يفتح الطريق أمام مصالحة وطنية حقيقية، فنحن نرحب بأي جهد يصب في هذا الاتجاه، أما إذا كان الهدف إنتاج ترتيبات خاصة بقطاع غزة، أو تشكيل مركز سياسي بديل، أو إعادة توزيع النفوذ والسلطة بعيداً عن الإطار الوطني الجامع، فإن ذلك لن يحل مشكلة الساحة الفلسطينية، بل قد ينقل الانقسام من مستواه الراهن إلى مستوى جديد.
المطلوب ليس إعادة توزيع السلطة بين الأشخاص أو التيارات، وإنما إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، والديمقراطية، ووحدة المؤسسات، والاحتكام إلى الشعب الفلسطيني وإرادته.
*هل يمكن أن تكون هناك شراكة وطنية تجمع مختلف القوى الفلسطينية، أم أن هناك ترتيبات يجري إعدادها بعيداً عن الإطار الوطني الجامع؟
الشراكة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، وإنما أصبحت ضرورة وجودية في هذه المرحلة، فالقضية الفلسطينية تواجه تحديات تفوق قدرة أي فصيل منفرد على مواجهتها، ولذلك فإن استمرار الانقسام، في هذه اللحظة التاريخية تحديداً، يمثل خدمة مجانية للمشروع الإسرائيلي الذي يسعى إلى تفتيت القضية الفلسطينية وإضعاف تمثيلها السياسي وضرب وحدتها الجغرافية والوطنية.
لكن الشراكة الوطنية التي نريدها ليست شراكة محاصصة، ولا تعني إعادة إنتاج نظام يقوم على توزيع المواقع والمناصب والنفوذ بين الفصائل، ونحن نريد شراكة تقوم على برنامج سياسي وطني، ومؤسسات وطنية موحدة، وقواعد ديمقراطية، وتعددية سياسية مسؤولة، واحترام إرادة الشعب الفلسطيني.
ومن المهم أن نميز بين التعددية السياسية وتعدد السلطات، فالتعددية حق وطني وديمقراطي، أما تعدد مراكز القرار والسلطة والسلاح فهو وصفة دائمة لإعادة إنتاج الانقسام، أما الترتيبات التي تتم بعيداً عن الإطار الوطني الجامع، فإنها، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، قد تستطيع فرض ترتيبات مؤقتة، لكنها لن تستطيع إنتاج شرعية فلسطينية مستدامة، لأن الشرعية لا تستورد من الخارج ولا تنتج بالتفاهمات المغلقة، وإنما تستند إلى الشعب الفلسطيني وإلى مؤسساته الوطنية وإرادته الديمقراطية.
* ما موقف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية من أي دور محتمل لمحمد دحلان في المرحلة المقبلة؟
نحن نتعامل مع هذه المسألة من زاوية سياسية ومؤسساتية، وليس من زاوية شخصية، ومحمد دحلان مواطن فلسطيني وله أن يمارس دوره السياسي وفق القانون والأطر الوطنية والديمقراطية، لكن القضية الأساسية ليست في شخص دحلان أو غيره، وإنما في طبيعة الدور السياسي الذي يراد لأي طرف أن يقوم به، وفي المرجعية التي يتحرك من خلالها، وفي مدى انسجام هذا الدور مع وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
لا يمكن أن تكون هناك مراكز نفوذ فلسطينية متعددة تتنافس على إدارة غزة، ولا يمكن أن يتحول القطاع إلى ساحة نفوذ إقليمي أو إلى منطقة نفوذ لأفراد أو تيارات، وأي دور، لأي شخصية فلسطينية، يجب أن يكون من خلال إطار وطني متفق عليه، وتحت مظلة النظام السياسي الفلسطيني، وليس باعتباره بديلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية أو عن السلطة الوطنية أو عن المؤسسات الشرعية.
نحن نريد أن نغلق نهائياً باب «البدائل»، فلا بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا بديل عن وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ولا يمكن بناء المستقبل الفلسطيني عبر إنشاء مراكز سياسية موازية أو كيانات بديلة.
*وهل يمكن أن تكون غزة أمام إدارة مدنية فلسطينية جديدة، تضم شخصيات مستقلة وتكنوقراط، بعيداً عن التجاذبات الفصائلية؟
هذا خيار قابل للنقاش، بل يمكن أن يكون جزءاً من الحل إذا جرى وضعه في الإطار السياسي الصحيح، لأننا بحاجة إلى إدارة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على التعامل مع الكارثة الإنسانية الهائلة، وإعادة بناء الخدمات والمؤسسات، وتهيئة البيئة اللازمة لعملية إعادة الإعمار.
نحن لا نريد إدارة تعكس توازنات الفصائل أو تقوم على المحاصصة، وإنما نريد إدارة قادرة على العمل، وتحظى بالثقة، وتضع مصلحة المواطن الفلسطيني في مقدمة أولوياتها، لكن يجب أن نكون واضحين هنا: الإدارة المدنية لا تعني إدارة سياسية منفصلة عن النظام الفلسطيني، وهناك فرق جوهري بين الطابع المهني والإداري للإدارة وبين المرجعية السياسية والقانونية التي تعمل في إطارها.
نحن نريد شخصيات مشهوداً لها بالكفاءة والاستقلالية والنزاهة والخبرة، وقادرة على إدارة شؤون الناس وإعادة بناء المؤسسات والخدمات، ولكن ضمن مرجعية وطنية واحدة، وبما يحافظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وأعتقد أن معايير الاختيار يجب أن تكون واضحة: الكفاءة، والنزاهة، والخبرة، والقدرة على العمل، والاستقلالية، والقبول المجتمعي، والقدرة على تحمل المسؤولية في مرحلة استثنائية، وليس الولاء التنظيمي أو المحاصصة أو العلاقات الشخصية.
* وماذا عن الانتخابات؟ هل نحن أمام استحقاق انتخابي قريب؟ وهل ستكون الانتخابات التشريعية مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد الشرعيات؟
الانتخابات ليست مجرد استحقاق إجرائي أو موعد دستوري، وإنما هي إحدى الأدوات الأساسية لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته وإعادة الاعتبار لإرادة الناخب الفلسطيني، ونحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لصوت المواطن، وإلى نقل مركز القرار السياسي من حالة الاستقطاب الفصائلي إلى المؤسسات المنتخبة، وإلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته السياسية.
لكن الانتخابات لا ينبغي أن تختزل في انتخابات تشريعية فقط، والمطلوب رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما يشمل المجلس التشريعي والرئاسة، وتطوير مؤسسات منظمة التحرير، وتعزيز الحياة الديمقراطية، وإعادة الاعتبار للمشاركة الشعبية، وتوفير الآليات التي تضمن التداول الديمقراطي واحترام نتائج الانتخابات.
ونحن مع إجراء الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة، عندما تتوفر الشروط السياسية والقانونية والعملية التي تضمن نزاهتها وشمولها ومشاركة شعبنا في غزة والضفة والقدس، وتوفر البيئة المناسبة لممارسة المواطنين حقهم في الاختيار، والانتخابات الناجحة ليست بالضرورة تلك التي تنتج فائزاً وخاسراً، وإنما تلك التي تنتج نظاماً سياسياً أكثر قوة وتماسكاً وشرعية وقدرة على مواجهة الاحتلال وحماية المشروع الوطني الفلسطيني، ولهذا فإننا ننظر إلى الانتخابات باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء النظام السياسي، وليس مجرد منافسة انتخابية بين القوى والفصائل.
*وفي ظل الحديث عن اختيار مرشحين لتمثيل المواطنين، هل آن الأوان لأن تكون الكفاءة والنزاهة والخبرة والقدرة على خدمة الناس هي المعايير الأساسية، بعيداً عن المحاصصة والمجاملات التنظيمية؟
بالتأكيد، إذا أردنا استعادة ثقة المواطن بالمؤسسات السياسية، فلا بد أن نبدأ من معيار الاختيار نفسه، فالمواطن الفلسطيني لم يعد يريد أن يرى ممثلاً عنه فقط لأنه الأقرب إلى هذا الفصيل أو ذاك، أو لأنه يمتلك علاقة تنظيمية أو شخصية، وإنما يريد من يمثله أن يكون قادراً على الدفاع عن مصالحه، وأن يمتلك المعرفة والخبرة والنزاهة والشجاعة السياسية والقدرة على التشريع والرقابة والمساءلة.
نحن أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مفهوم التمثيل السياسي نفسه، فالمرشح ينبغي أن يكون ممثلاً للمجتمع قبل أن يكون ممثلاً لتنظيمه، وأن تكون علاقته بالناس وبالمصلحة الوطنية أوسع من علاقته بالهياكل التنظيمية، ونحن بحاجة إلى مجلس تشريعي يضم أصحاب الكفاءة والخبرة، والقادرين على ممارسة التشريع والرقابة، ويعكس التنوع الحقيقي في المجتمع الفلسطيني، من الشباب والمرأة والعمال والمثقفين والأكاديميين والمهنيين وسائر القطاعات الاجتماعية، لا أن يكون مجرد انعكاس لتوازنات داخلية بين التنظيمات.
ومن هنا، فإن جبهة النضال الشعبي الفلسطيني تنظر إلى الاستحقاق الانتخابي باعتباره فرصة لتجديد الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للعمل البرلماني، وفتح المجال أمام طاقات فلسطينية جديدة قادرة على حمل هموم الناس والدفاع عن الحقوق الوطنية والاجتماعية.
* وماذا عن مستقبل حركة حماس داخل النظام السياسي الفلسطيني؟ هل يمكن دمجها في إطار سياسي وطني جامع؟ وما المطلوب منها في المقابل لإنجاح المصالحة وإعادة بناء النظام السياسي؟
حماس جزء من النسيج السياسي والاجتماعي الفلسطيني، ولا يمكن معالجة الانقسام عبر الإقصاء أو سياسة الاستبعاد، لكن هناك فرق بين المشاركة السياسية، وهي حق، وبين احتكار القرار أو الازدواجية في السلطة أو استمرار تعدد مراكز القوة والسلاح، وإذا أردنا بناء نظام سياسي فلسطيني موحد، فلا بد أن تخضع جميع القوى، بما فيها حركة حماس، لقواعد النظام السياسي والقانوني الذي يتوافق عليه الفلسطينيون، وأن تكون المشاركة السياسية من خلال المؤسسات الوطنية والقواعد الديمقراطية.
نحن لا نطالب حماس بالخروج من الحياة السياسية، بل على العكس، نريد أن تنتقل من حالة الانقسام إلى الشراكة الوطنية، وهذا يتطلب منها الاعتراف بوحدة النظام السياسي، والاحتكام إلى المؤسسات الوطنية، وقبول قواعد الديمقراطية، وإنهاء الازدواجية التي أنتجها الانقسام، والانتقال من منطق السيطرة المنفردة إلى منطق الشراكة الوطنية.
المصالحة ليست اتفاقاً بين قيادتين أو فصيلين، وليست مجرد لقاء أو بيان سياسي، وإنما هي عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة واحدة: سلطة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات واحدة، وقرار وطني واحد، وشراكة سياسية حقيقية.
*ماذا عن ملف السلاح؟ وهل يمكن بناء نظام سياسي موحد في ظل تعدد مراكز القوة والسلاح؟
هذه من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، ولا يجوز التعامل معها بالشعارات أو بالمواقف الانفعالية، ونحن نتحدث عن بناء دولة ونظام سياسي، والدولة لا يمكن أن تكون فيها مراكز متعددة لاتخاذ القرار الأمني والعسكري، والسلاح، في نهاية المطاف، يجب أن يخضع للقرار الوطني والمؤسسات الوطنية، وهذه قاعدة لا يمكن تجاوزها إذا كنا جادين في بناء دولة فلسطينية موحدة وقابلة للحياة، لكن في الوقت نفسه، فإن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تتم بمعزل عن الواقع الفلسطيني، لذلك يجب أن تتم معالجة هذا الملف ضمن رؤية سياسية وطنية شاملة، تأخذ بعين الاعتبار واقع الاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في مقاومته وفق القانون الدولي، وفي الوقت ذاته تمنع استخدام السلاح وفق أجندات فصائلية ضيقة ولخدمة الأطراف الخارجية، واستخدامه في الصراع الداخلي أو تحويله إلى أداة لتعطيل الحياة السياسية أو فرض الإرادة على المجتمع.
المطلوب هو توحيد القرار الوطني، وليس إلغاء حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، وهذه مسألة ينبغي أن تناقش ضمن استراتيجية وطنية متوافق عليها، وبما يضمن عدم تحويل السلاح إلى أداة للصراع الداخلي، وعدم السماح في الوقت ذاته بتحويل مسألة توحيد المؤسسات إلى ذريعة لتصفية حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، مع التمسك بمبدأ سلطة واحدة ونظام سياسي واحد وسلاح شرعي واحد.
*وهل تستطيع القيادة الفلسطينية أن تمنع فرض أي صيغة خارجية على غزة، وتقدم في المقابل رؤية فلسطينية موحدة تحظى بثقة المواطن والمجتمعين العربي والدولي؟
إذا كانت لدينا رؤية فلسطينية موحدة وواضحة وقابلة للتنفيذ، فلن يكون من السهل فرض أي صيغة علينا، والمشكلة ليست فقط في وجود ضغوط خارجية؛ المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا يكون لدينا نحن الفلسطينيين تصور موحد لما نريد وكيف نصل إليه.
أفضل طريقة لمواجهة أي وصاية أو تدخل أو ترتيبات مفروضة هي أن نمتلك مشروعاً فلسطينياً واضحاً، وأن نتمكن من تقديم هذا المشروع إلى شعبنا وإلى أشقائنا العرب وإلى المجتمع الدولي باعتباره رؤية فلسطينية قابلة للتنفيذ.
نحن نريد غزة فلسطينية، موحدة مع الضفة الغربية والقدس، وتحت مظلة منظمة التحرير والشرعية الفلسطينية، وبإدارة وطنية مسؤولة، وبدعم عربي ودولي واسع لإعادة الإعمار، وصولاً إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، ونحن لا نرفض الدور العربي أو الدولي، بل نريده شريكاً في دعم المشروع الفلسطيني، وتوفير الموارد والخبرات والضمانات اللازمة، وليس بديلاً عن القرار الفلسطيني، وبالتالي فإن المعادلة واضحة: المساعدة الدولية مرحب بها، والدعم العربي ضرورة، والشراكة الدولية مهمة، لكن الوصاية مرفوضة، والقرار السياسي بشأن مستقبل فلسطين يجب أن يبقى فلسطينياً.
*أخيراً، ماذا تقول للمواطن الفلسطيني الذي يريد أن يعرف إلى أين تتجه الأمور، بعد سنوات الحرب والانقسام والمعاناة؟
أقول للمواطن الفلسطيني إن المرحلة المقبلة لن تكون سهلة، وإن حجم الدمار والمعاناة والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كبير جداً، لكن صعوبة المرحلة لا يجوز أن تتحول إلى مبرر للاستسلام للانقسام أو للوصاية أو لفقدان الأمل.
لقد دفع شعبنا ثمناً هائلاً، في غزة والضفة والقدس وفي كل أماكن وجوده، ولا يجوز أن تكون نتيجة كل هذه التضحيات إعادة إنتاج الانقسام، أو الانتقال من احتلال مباشر إلى ترتيبات انتدابية أو وصائية بأشكال جديدة.
نحن أمام مسؤولية تاريخية، ليس فقط أمام شعبنا، وإنما أمام دماء الشهداء ومعاناة الأسرى والجرحى والمهجرين وكل من دفع ثمناً من أجل فلسطين، وهذه المسؤولية تفرض علينا أن نحول هذه اللحظة القاسية إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، واستعادة وحدة الشعب والأرض والمؤسسات، وتجديد الشرعيات، وإعادة إعمار غزة، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الوطنية والديمقراطية، ووضع القضية الفلسطينية مجدداً على مسارها الصحيح نحو الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
غزة ليست هامش القضية الفلسطينية، وغزة ليست كياناً منفصلاً، وغزة ليست ورقة في صراع النفوذ الإقليمي، وغزة قلب فلسطين، وأهلها جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ومستقبلها يجب أن يكون جزءاً من مستقبل فلسطين كلها.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الجميع، فلسطينياً وعربياً ودولياً، هي أن الفلسطينيين لا يطلبون من الآخرين أن يقرروا مستقبلهم نيابة عنهم؛ نحن نطلب من العالم أن يساعدنا في استعادة قدرتنا على تقرير مستقبلنا بأنفسنا، وأن يدعم حقنا في الحرية والاستقلال وبناء دولتنا.
نحن مع الشراكة، ولكن ضد المحاصصة؛ مع الدعم العربي والدولي، ولكن ضد الوصاية؛ مع التعددية السياسية، ولكن ضد تعدد السلطات؛ ومع مقاومة الاحتلال بالأشكال النضالية التي تحظى بالتوافق الوطني وبما يخدم مصالح شعبنا، ولكن ضد استخدام السلاح في الصراع الداخلي.
إن المعركة الحقيقية ليست على من يحكم غزة، ولا على من يمتلك النفوذ فيها، وإنما على أي فلسطين نريد أن نبني، وأي نظام سياسي قادر على حمل مشروع التحرر الوطني حتى إنجاز الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وهذا هو التحدي الحقيقي أمامنا جميعاً: أن ننتقل من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الحل، ومن التنافس على السلطة إلى إعادة بناء النظام السياسي، ومن ردود الفعل إلى امتلاك المبادرة الوطنية.
إن فلسطين التي نريدها ليست غزة وحدها، وليست الضفة وحدها، وليست القدس وحدها، وإنما فلسطين الواحدة أرضاً وشعباً وقضية ونظاماً سياسياً، وفوق كل ذلك دولة مستقلة ذات سيادة، وعاصمتها القدس، وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن تتجه إليه كل الجهود الفلسطينية والعربية والدولية.



