المطران عطاالله حنا: أعان الله شعبنا الفلسطيني أمام هذا الكم الهائل من المؤامرات ومشاريع تصفية القضية.

العالم يتغنى بحقوق الإنسان، بل وحتى بحقوق الحيوان، في الوقت الذي تُنتهك فيه حقوق الشعب الفلسطيني وحقه المشروع في أن يحيا بأمن وأمان وسلام.
أهلنا في قطاع غزة يعيشون في ظل نكبة مستمرة ومتواصلة، وكأنه حُكم عليهم بالموت، إما قتلاً وإما تجويعاً وتنكيلاً وحرماناً.
ما هو ذنب أطفال غزة لكي يعاملوا بهذه القسوة، ولكي يُحرموا من ممارسة طفولتهم الطبيعية التي يمارسها ويعيشها كل طفل في هذا العالم؟
أطفال غزة محرومون من أبسط حقوقهم، كما هو حال أبناء القطاع بكافة أعمارهم.
الآلام والأحزان منتشرة في كل مكان، وأنقاض المباني المدمرة منتشرة في كل زاوية من زوايا القطاع، وكأنه يُراد لغزة أن تكون بلا حياة، في ظل سياسة ممنهجة تستهدف أبناء شعبنا هناك في كل تفاصيل حياتهم.
يجب علينا جميعاً أن نرفض أن يتحول ما يحدث في غزة إلى خبر عاجل سرعان ما يُنسى، ولا يجوز أن يتحول الشهداء الذين يرتقون في كل يوم إلى أرقام، فهم ليسوا كذلك، فكل إنسان له كرامته، وحياته مقدسة، لأن الله هو الذي خلق الإنسان وحباه بنعمة الحياة، ومن يعتدي على حياة الإنسان إنما يعتدي على الإرادة الإلهية.
لا يجوز تهميش معاناة أهلنا في غزة وكأنها أصبحت خبراً اعتيادياً وروتينياً يمر عليه البعض مرور الكرام.
ما يحدث في غزة إنما هي محنة شعب وكارثة أناس حُكم عليهم بالموت في ظل نكبة مستمرة ومتواصلة.
سنبقى نقرع الأبواب في كل مكان عسى أن يصل صوتنا إلى كافة أصقاع العالم، وخاصة إلى أشقائنا العرب، بضرورة العمل على انتشال أهلنا في القطاع من أتون الحرب، ومن أتون الموت والخراب والدمار والتجويع.
إن إغاثة أهلنا في القطاع هي مسألة غير قابلة للتأجيل، فالجائعون كثيرون، والمرضى كذلك، وهناك من يحتاجون إلى عناية خاصة واهتمام بالجوانب الصحية والطبية.
إن إغاثة أهلنا في القطاع يجب أن تكون أولوية، وكذلك مسألة إعادة الإعمار وإعادة الحياة إلى القطاع، لكي يعيش أهلنا هناك بشكل طبيعي، ولكي يستمتعوا بحياة أفضل حُرموا منها لسنين طويلة.
أما في الضفة الغربية فالمأساة مروعة، والكارثة لا يمكن وصفها بالكلمات، فالاغتيالات والاقتحامات متواصلة، وقد باتت البؤر الاستيطانية منتشرة في سائر أرجاء الضفة الغربية، وكأن الاحتلال لا يريد أن يُبقي شيئاً للفلسطينيين، ويريدهم أن يكونوا في معازل وبلدات ومخيمات ومدن تحيط بها البوابات الحديدية من كل حدب وصوب.
أهلنا في الضفة الغربية يعيشون وكأنهم في سجن كبير، وهم محرومون من الوصول إلى القدس، إذ تقف لهم البوابات الحديدية بالمرصاد.
أين هو العدل، وأين هو المنطق مما يحدث، حيث إن شعوب العالم كلها تأتي إلى القدس من كل القارات، بينما أصحاب البيت الفلسطينيون في الضفة الغربية ليسوا قادرين على الوصول إلى قدسهم ومقدساتهم وأماكن عملهم؟ أين هي العدالة في أن يُحرم الفلسطيني، مسيحياً كان أم مسلماً، من الوصول إلى القدس، في حين أن هناك من يأتون إليها بعد عشر ساعات من السفر في الطائرة، بينما الفلسطيني الذي يحتاج إلى نصف ساعة أو ساعة بسيارته لكي يصل إلى مدينته المقدسة فهو محروم من ذلك؟
أين هي منظومة حقوق الإنسان في عالمنا مما يحدث في الضفة الغربية من قتل وسرقة للأراضي وتنكيل بالفلسطينيين وعزلهم عن باقي الأراضي الفلسطينية؟
أين هي منظومة حقوق الإنسان من سياسة منع الفلسطيني من ممارسة حقه المشروع في أن ينتقل بحرية من مكان إلى مكان، وخاصة إلى القدس، حاضنة المقدسات والتاريخ والعراقة؟
ما يحدث في الضفة الغربية إنما هو أمر في غاية الخطورة، وهي سياسة تطفيش وتمهيد لهجرة طوعية قد يُضطر البعض إلى اللجوء إليها في ظل هذه الأوضاع المأساوية والكارثية التي تمس حياة الإنسان الفلسطيني في كافة تفاصيلها.
لا نريد للفلسطيني أن يغادر بلده، ففلسطين ليست حجارة صماء، وليست قضية عادلة فحسب، وليست تاريخاً مجيداً نفتخر به، بل هي أولاً وقبل كل شيء الإنسان. فما قيمة فلسطين من دون الإنسان الذي يجب أن يبقى في بلده، وأن تتحقق أمنياته وتطلعاته، وأن ينعم بحرية طال انتظارها ويبدو أنها بعيدة المنال في ظل ما يتعرض له الفلسطينيون من مؤامرات ومشاريع هادفة لتصفية قضيتهم؟
لست من دعاة الإحباط واليأس، ولكن من الأهمية بمكان أن نعرف الواقع المأساوي الذي يعيشه الفلسطينيون.
أقول لأبناء شعبنا: لا تقبلوا بأن يغرقكم أحد في ثقافة اليأس والإحباط والقنوط والاستسلام، فالشر الذي نعيشه ونلمسه ونراه بأم العين لا بد أن تكون له نهاية. وهذا لا يحتاج فقط إلى المتضامنين والأحرار في العالم، وإلى المؤسسات الأممية وقادة الدول العالمية فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى الفلسطينيين الذين يجب أن يكونوا على قدر كبير من الحكمة والرصانة والوعي والمسؤولية في مواجهة التحديات والمؤامرات.
قبل أن نقول للعالم: تضامنوا مع الفلسطينيين، يجب أن نقول للفلسطينيين: تضامنوا مع أنفسكم، ووحّدوا صفوفكم، ورتبوا بيتكم الداخلي لكي يكون قوياً وصلباً في مواجهة التحديات والمؤامرات.
لا يضيع حق وراءه مطالب، ولا توجد قضية أنبل وأعدل من القضية الفلسطينية، التي هي ليست قضية الفلسطينيين لوحدهم، وإن كانت قضيتهم بالدرجة الأولى، لكنها أيضاً قضية الأشقاء العرب من المحيط إلى الخليج، وقضية جميع الأحرار في هذا العالم ودعاة حقوق الإنسان.

المطران عطاالله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 21 آب 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com