من خصوم الأمس إلى حلفاء اليوم … تحالف المصالح ومأزق المشروع الوطني الفلسطيني… بقلم:د. عبدالرحيم جاموس

تطرح التحركات الجارية لتشكيل تحالف انتخابي يضم حركة حماس، وتيار محمد دحلان، وحركة الجهاد الإسلامي، وقوى وشخصيات أخرى، سؤالًا يتجاوز الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. فقد أكدت تقارير حديثة وجود تفاهمات ومشاورات متقدمة بين هذه الأطراف لخوض الانتخابات ضمن ائتلاف واسع، تحت عنوان إنهاء التفرد بالقرار السياسي.
المفارقة الكبرى أن هذا التقارب يجمع خصومًا كان الصراع بينهم أحد الأسباب المباشرة للانقسام الفلسطيني الكارثي عام 2007. فحماس التي خاضت مواجهة مسلحة مع القوى الأمنية والسياسية المحسوبة على محمد دحلان في غزة، تلتقي اليوم مع دحلان انتخابيًا وسياسيًا، في مشهد يصعب تفسيره بالبراغماتية وحدها.
فما الذي تغيّر؟
هل تغيرت المبادئ، أم تغيرت المصالح؟
تحالف يجمعه الخصم أكثر مما يجمعه المشروع
لا شك أن من حق أي قوة سياسية أن تتحالف وتتنافس وتسعى إلى الفوز في الانتخابات. وليس التحالف في ذاته أمرًا مذمومًا. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح القاسم المشترك بين أطراف متناقضة هو إقصاء الخصم السياسي، لا الاتفاق على مشروع وطني بديل.
وهنا تبدو فتح هي الحلقة التي تجمع هذه الأطراف بصورة أوضح من أي برنامج سياسي معلن.
فحماس تريد العودة إلى قلب النظام السياسي الفلسطيني بعد سنوات من العزلة والانقسام، ودحلان يريد استعادة موقع مركزي فقده داخل حركة فتح، وقوى أخرى ترى في التحالف فرصة للخروج من هامشية طال أمدها. ولذلك يبدو أن التقاطع الأساسي هو إعادة توزيع القوة داخل النظام السياسي وإضعاف موقع فتح.
لكن إضعاف فتح ليس في ذاته جريمة سياسية؛ فالتنافس الديمقراطي حق. السؤال الأهم: هل البديل المقترح يستهدف إصلاح المشروع الوطني أم الاستيلاء على مركزه؟
من خصومة 2007 إلى شراكة اليوم
هنا تكمن المفارقة التي لا يجوز تجاوزها.
إذا كانت حماس قد اعتبرت في 2007 أن الصراع مع السلطة والقوى المحسوبة على دحلان صراع على طبيعة الحكم والقرار والمشروع السياسي، فكيف أصبح أحد أبرز رموز ذلك الصراع شريكًا اليوم؟
يمكن تجاوز الخصومة التاريخية إذا كان هناك نقد ومراجعة ومصالحة سياسية حقيقية؛ أما تجاوزها لمجرد أن المصالح تبدلت، فيعطي الانطباع بأن ما يجمع الأطراف اليوم ليس تحولًا فكريًا أو مشروعًا وطنيًا جديدًا، بل حسابات سياسية وانتخابية آنية.
وهنا ينتقل الأمر من البراغماتية المشروعة إلى ما يمكن وصفه بـالانتهازية السياسية عندما تصبح المصلحة الحزبية أو الشخصية مقدمة على المصلحة الوطنية.
ليست كل التجارب الفلسطينية سواء
وهنا يجب أن تكون الحقيقة أكثر وضوحًا، وألا نقع في مساواة مصطنعة بين أطراف تختلف جذريًا في تاريخها ودورها ونتائج خياراتها.
فحركة فتح ومنظمة التحرير ليستا مجرد طرفين حزبيين في نزاع على السلطة. لقد ارتبط بهما تاريخ بناء الشخصية السياسية الفلسطينية، وتثبيت منظمة التحرير إطارًا وطنيًا جامعًا، وانتزاع الاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه، ثم بناء السلطة الوطنية ومؤسساتها التي أصبحت، رغم ما أصابها من خلل وترهل، نواة مؤسسات الدولة الفلسطينية المنشودة.
وفي عام 1988 أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين، وربطها صراحة بحق تقرير المصير والاستقلال وبالتسوية السياسية القائمة على الشرعية الدولية.
ثم أكدت الأمم المتحدة عام 2012 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته، ومنحت فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وأشادت في القرار ذاته بخطة بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وبالتقدم الذي أحرزته مؤسسات السلطة في قطاعات أساسية.
هذه إنجازات سياسية ودبلوماسية ومؤسسية لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة الوطنية لمجرد أن السلطة أخفقت في جوانب كثيرة، أو أن مسار أوسلو لم يحقق أهدافه، أو أن إسرائيل عملت على تقويضه.
في المقابل: ماذا كان موقف حماس من هذا المسار؟
من الضروري هنا أن نكون دقيقين أيضًا.
حماس ليست مجرد قوة فلسطينية أخرى لها «رأي مختلف». فقد قامت رؤيتها السياسية تاريخيًا على رفض اتفاق أوسلو ومسار التسوية الذي قادته منظمة التحرير، وعلى تبني المقاومة المسلحة باعتبارها الخيار الاستراتيجي.
صحيح أن وثيقتها السياسية لعام 2017 قبلت إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 باعتبارها صيغة توافق وطني، لكنها لم تعترف بإسرائيل، وتمسكت برفض التنازل عن كامل فلسطين ورفض اتفاقات أوسلو وما ترتب عليها.
وهذا اختلاف جوهري، وليس مجرد اختلاف في التكتيك.
فمنظمة التحرير، بقيادة فتح، اختارت مسارًا سياسيًا انتهى إلى الاعتراف المتبادل، وبناء السلطة والمؤسسات، وتثبيت حل الدولتين في الإطار الدولي. أما حماس فرفضت هذا المسار، ودخلت النظام السياسي من بوابة الانتخابات عام 2006، ثم انتهى الصراع السياسي والعسكري إلى سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، بما عمّق الانقسام وأضعف وحدة المؤسسات والقرار الفلسطيني.
وهذه ليست مساواة بين أخطاء متشابهة؛ فأخطاء إدارة السلطة شيء، وتقويض وحدة النظام السياسي بالقوة شيء آخر.
الانقسام: الثمن الذي دفعه المشروع الوطني
لقد أضعف الانقسام الفلسطيني القضية بأسرها.
فصل غزة عن الضفة، وأقام واقعًا سياسيًا ومؤسسيًا مزدوجًا، وأضعف الموقف التفاوضي الفلسطيني، وأفقد المشروع الوطني وحدته، وقدم لإسرائيل ذريعة متكررة للقول بعدم وجود شريك فلسطيني موحد.
ولا يجوز تحميل حماس وحدها كل ما أصاب القضية، فإسرائيل تتحمل المسؤولية الأساسية عن الاحتلال والاستيطان وإفشال إقامة الدولة الفلسطينية، كما تتحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية أخطاء كثيرة. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الانقسام الذي وقع عام 2007 كان ضربة استراتيجية للمشروع الوطني.
وماذا عن المحاور؟
تزداد الصورة تعقيدًا عندما نضع العلاقات الإقليمية في الحساب.
فتيار دحلان يرتبط بعلاقات وثيقة مع مصر والإمارات، فيما ارتبطت حماس تاريخيًا بعلاقات مع قطر وتركيا وإيران. وهذه العلاقات ليست متطابقة ولا ثابتة، ولا يصح اختزال أي طرف فيها بوصفه مجرد «وكيل».
لكن الخطر يكمن في شيء آخر: أن تتحول فلسطين إلى ساحة لتوازن المحاور الإقليمية، وأن يصبح القرار الفلسطيني نتيجة لتقاطع مصالح خارجية وداخلية.
لقد دفعت القضية الفلسطينية ثمنًا باهظًا عندما تداخل الانقسام الداخلي مع الصراعات الإقليمية. ولذلك فإن معيار أي تحالف يجب أن يكون واضحًا: هل يعزز استقلال القرار الوطني الفلسطيني أم يعيد إنتاج الارتهان للمحاور؟
فتح: إنجاز تاريخي لا يعفي من النقد
الدفاع عن الحقيقة لا يعني تبرئة فتح.
فتح تتحمل مسؤولية عن الجمود، وضعف التجديد، ومظاهر الاستئثار، والخلل المؤسسي، وعدم القدرة على إنهاء الانقسام، وعن عدم تطوير النظام السياسي بما يكفي لمواجهة التحولات الكبرى.
لكن نقد هذه الأخطاء لا يسمح بإلغاء حقيقة أخرى: إنجازات الحركة الوطنية التي قادتها فتح ومنظمة التحرير لا يمكن اختزالها في أخطاء السلطة.
المطلوب من فتح اليوم ليس أن تطلب من الشعب التصويت لتاريخها، وإنما أن تثبت قدرتها على تجديد نفسها، وإصلاح منظمة التحرير، وتوسيع المشاركة، وتجديد الشرعية الديمقراطية، والحفاظ على القرار الوطني المستقل، وتحويل مؤسسات السلطة إلى مؤسسات دولة حقيقية.
والسؤال أمام التحالف الجديد
إذا كان هذا التحالف يريد أن يقدم نفسه بديلًا وطنيًا، فعليه أن يجيب بوضوح:
ماذا سيفعل بمنظمة التحرير؟
هل سيحافظ على مؤسسات الدولة أم يعيد تشكيلها وفق موازين القوى الجديدة؟
هل سيقبل بحل الدولتين كخيار وطني نهائي، أم سيعيد إنتاج الصراع المفتوح؟
كيف سيوحد الضفة وغزة؟
كيف سيضمن استقلال القرار الفلسطيني؟
وكيف سيمنع أن تتحول الانتخابات إلى مجرد وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بين الفصائل والمحاور؟
فإذا كان المشروع هو إصلاح النظام الوطني وإنهاء الانقسام وتوسيع المشاركة، فذلك هدف وطني مشروع.
أما إذا كان جوهر التحالف هو إسقاط فتح، وتقاسم النفوذ، واستعادة مواقع سياسية، والاستقواء بمحاور إقليمية مختلفة، فإنه لا يقدم مشروعًا وطنيًا بديلًا، بل يعيد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة.
الخلاصة
ليست القضية أن فتح معصومة من الخطأ، ولا أن حماس خالية من الإنجازات أو التضحيات؛ وإنما القضية أن التاريخ لا يسمح بالمساواة بين من بنى وراكم الإنجازات السياسية والدبلوماسية والمؤسساتية للمشروع الوطني، وبين من أسهمت خياراته في تقويض هذه المؤسسات وتعميق الانقسام وإضعاف مسار الدولة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي في الانتخابات المقبلة ليس:
من يستطيع إسقاط فتح؟
بل:
من يستطيع حماية ما تحقق، وتصحيح ما أخفق، وإنهاء الانقسام، وتوحيد الشعب والأرض والمؤسسات، وصون القرار الوطني المستقل، واستكمال الطريق نحو الدولة الفلسطينية؟
فالمشروع الوطني الفلسطيني أكبر من فتح، وأكبر من حماس، وأكبر من دحلان وسائر الفصائل.
لكن هذا لا يعني أن الجميع سواء في صناعة هذا المشروع أو في إضعافه.
إن فلسطين لا تحتاج إلى تحالف يجمع خصوم الأمس لمجرد إسقاط خصم اليوم؛ إنها تحتاج إلى شراكة وطنية تعيد بناء النظام السياسي على قاعدة الحقيقة والمساءلة والوحدة والاستقلال، وتحول الانتخابات من معركة على السلطة إلى خطوة لاستعادة فلسطين لقرارها الوطني.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
21/8/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com