السمري يدق جدران الخزان الفتحاوي.. بقلم: شريف الهركلي

من جدار صفحته على «فيسبوك»، خرج القيادي الفتحاوي الجريح وليد السمري «أبو رياض» عن دائرة الصمت، وكتب كلمات بدت أقرب إلى طرقٍ قوي على جدران خزان فتحاوي وفلسطيني امتلأ بالأزمات والانقسامات، في لحظة تحتاج فيها حركة فتح إلى مراجعة الذات واستعادة وحدتها.
كتب السمري: «فتح تجمعنا، قوتنا بوحدتنا»، مؤكدًا أن أجمل ما يمكن أن تكون عليه حركة فتح في الانتخابات القادمة هو أن تجمع أبناءها، وأن تضع مصلحة الحركة والوطن فوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية.
قد تبدو الكلمات للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل في عمقها رسالة سياسية واضحة: فتح أمام اختبار تاريخي، والوحدة لم تعد شعارًا تنظيميًا، بل أصبحت ضرورة سياسية ووطنية.
فالانتخابات الفلسطينية المقبلة، إذا ما كتب لها أن ترى النور، لن تكون مجرد سباق على المقاعد، وإنما امتحان حقيقي لكل القوى والفصائل، وفي مقدمتها حركة فتح، التي تجد نفسها أمام سؤال صعب: هل تستطيع أن تتجاوز سنوات الانقسام والتباعد الداخلي، وتعيد جمع أبنائها حول مشروع وطني واحد؟
ولعل أهمية كلام السمري أنه يأتي من داخل البيت الفتحاوي، ومن شخصية دفعت ثمنًا من حياتها ونضالها، ولذلك فإن دعوته لا تبدو مجرد موقف عابر، بل تعبيرًا عن حالة أوسع بدأت تتشكل بين أبناء الحركة الذين يدركون أن استمرار الانقسام الداخلي يضعف الجميع.

وفي هذا التوقيت تحديدًا، تبدو دعوة السمري مختلفة؛ لأنها تأتي مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، وفي ظل حاجة فتح إلى استعادة عافيتها الداخلية قبل البحث عن تحالفات خارجها. وربما يكون الخيار الأكثر واقعية أن تتحالف فتح مع فتح أولًا، وأن تجمع أبناءها وتياراتها وشخصياتها تحت مظلة واحدة، قبل أن تبحث عن تحالفات مع تنظيمات أخرى.
فالقوة تبدأ من البيت الداخلي، ومن الصعب أن تبني تحالفًا وطنيًا قويًا وأنت عاجز عن ترميم بيتك التنظيمي. وكما تقول الحكمة: «فاقد الشيء لا يعطيه»؛ فكيف يمكن لحركة أن تدعو إلى الوحدة الوطنية وهي لم تستكمل بعد وحدتها الداخلية؟
إن الدعوة إلى وحدة فتح تفتح الباب تلقائيًا أمام سؤال أكبر: هل يمكن أن تتسع هذه الوحدة لتكون مدخلًا لإنهاء الانقسام الفلسطيني نفسه، وفتح حوار جاد بين الرئيس محمود عباس «أبو مازن» والقائد الفلسطيني محمد دحلان «أبو فادي»، بما يساهم في إعادة ترتيب البيت الوطني واستعادة القرار الفلسطيني من حالة الاستنزاف؟
قد تكون المسافة بين الرجلين كبيرة، وقد تراكمت الخلافات والسنوات، لكن السياسة ليست جدارًا أبديًا، وما يبدو مستحيلًا في لحظة قد يصبح ممكنًا عندما تتغير الظروف وتفرض المصلحة الوطنية نفسها.
حركة فتح اليوم أمام منعطف تاريخي؛ فإما أن تستعيد روحها الأولى كحركة جامعة لكل أبنائها، أو تترك الانقسامات تنهش جسدها حتى تفقد قدرتها على التأثير.
ولذلك فإن صوت وليد السمري «أبو رياض» يستحق التوقف عنده، لا لأنه صوت شخص واحد، بل لأنه قد يكون واحدًا من أصوات كثيرة بدأت تدق جدران الخزان وتقول: كفى انقسامًا، وكفى انتظارًا؛ فالوطن أكبر من الأشخاص، وفتح أكبر من الخلافات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من ينتصر على من؟ بل: هل تستطيع فتح أن تنتصر على انقسامها قبل أن تنتصر في الانتخابات؟



