الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الاستحقاق الوطني والعوائق الإسرائيلية والانقسام الداخلي ومصير غزة

إعداد: المحامي علي أبوحبلة

أمام الفلسطينيين استحقاق سياسي بالغ الأهمية يتمثل في الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا دعا فيه الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخاب المجلس التشريعي، وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية جاهزيتها لتنفيذ العملية الانتخابية وفق الجدول الزمني والقانوني المحدد.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل ستجري الانتخابات؟ بل: هل تستطيع السلطة الوطنية والفصائل الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة توفير الشروط السياسية والأمنية والقانونية التي تجعل الانتخابات شاملة وذات شرعية، بحيث تشمل القدس وغزة والضفة الغربية؟

والتقدير الموضوعي في ضوء المعطيات الراهنة أن إجراء الانتخابات ممكن، لكنه غير مضمون، وأن احتمال التأجيل أو إعادة النظر في آليات إجرائها سيظل قائمًا إلى أن تتضح ثلاثة ملفات مترابطة: مصير غزة، ومشاركة القدس، وطبيعة التفاهمات الفلسطينية الداخلية.

أولًا: الانتخابات دخلت مرحلة التنفيذ، لكن القرار السياسي لم يُحسم

الانتخابات هذه المرة ليست مجرد إعلان سياسي؛ فقد حدد المرسوم الرئاسي تاريخ الاقتراع، وأعلنت لجنة الانتخابات المدد القانونية، بما فيها فتح باب الترشح في أيلول/سبتمبر والدعاية الانتخابية في تشرين الثاني/نوفمبر، على أن يجري الاقتراع في 28 تشرين الثاني.

وهذا تطور مهم، لأنه ينقل العملية من دائرة الوعود السياسية إلى المسار الدستوري والإجرائي.

لكن التجارب الفلسطينية السابقة أثبتت أن اكتمال الإجراءات القانونية لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذ الانتخابات على الأرض؛ فالانتخابات الفلسطينية تجري في بيئة احتلال، وفي ظل انقسام جغرافي وسياسي، وبالتالي فإن قدرة لجنة الانتخابات على أداء مهمتها ترتبط بالواقع الأمني وبموافقة الأطراف المسيطرة ميدانيًا.

ومن هنا ينبغي عدم الخلط بين القرار الفلسطيني بإجراء الانتخابات وبين القدرة الفعلية على ضمان انتخابات فلسطينية عامة وشاملة.

ثانيًا: القدس ليست تفصيلًا انتخابيًا بل قضية سيادة وشرعية

أخطر العقبات الإسرائيلية المحتملة تتمثل في القدس الشرقية.

فالمرسوم الرئاسي ينص صراحة على مشاركة القدس، إلى جانب الضفة وغزة، الأمر الذي يجعل استبعاد المقدسيين أو تقييد مشاركتهم ضربة مباشرة لمبدأ شمول الانتخابات.

وقد أثبتت تجربة عام 2021 أن الموقف الإسرائيلي من مشاركة الفلسطينيين في القدس قادر على تعطيل العملية الانتخابية بأكملها؛ إذ كان عدم ضمان مشاركة المقدسيين أحد العوامل الرئيسية التي أحاطت بالانتخابات آنذاك. كما شدد خبراء أمميون في 2021 على ضرورة ضمان المشاركة الديمقراطية الكاملة للفلسطينيين في القدس الشرقية.

ومن الناحية القانونية، فإن المسألة تتجاوز الخلاف السياسي. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن للشعب الفلسطيني حقًا في تقرير المصير، وأن التدابير الإسرائيلية المتعلقة بالأرض المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ترتبط مباشرة بهذا الحق.

وعليه، فإن أي انتخابات لا تتيح للمقدسيين ممارسة حقهم الانتخابي بصورة حقيقية ستواجه سؤالًا جديًا حول مدى شموليتها وشرعيتها السياسية والوطنية.

ثالثًا: غزة هي العقدة الأكبر

إذا كانت القدس تمثل الاختبار القانوني والسيادي للانتخابات، فإن غزة تمثل الاختبار السياسي والميداني.

كيف يمكن إجراء انتخابات تشريعية فلسطينية في قطاع تعرض لحرب مدمرة، فيما لم يُحسم بصورة نهائية شكل الإدارة والأمن والسلاح وإعادة الإعمار والعلاقة بين السلطة الفلسطينية والقوى الموجودة في القطاع؟

إن الانتخابات لا يمكن أن تكون عملية جغرافية مجتزأة؛ فالمجلس التشريعي مؤسسة فلسطينية واحدة، والانتخاب يجب أن يعكس الإرادة الشعبية في الضفة وغزة والقدس.

ومن هنا يصبح مصير غزة مرتبطًا مباشرة بمصير الانتخابات.

إذا نجحت ترتيبات وقف إطلاق النار والمرحلة الانتقالية، وجرى تثبيت إدارة فلسطينية للقطاع، فقد تصبح الانتخابات جزءًا من عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

أما إذا بقيت غزة في حالة حرب أو تحت ترتيبات أمنية انتقالية غير واضحة، فإن إجراء الانتخابات في موعدها سيصبح أكثر تعقيدًا، وقد يطرح خيار التأجيل أو إعادة تحديد آليات الاقتراع.

رابعًا: لقاء الحية ودحلان.. مؤشر على إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني

من أهم التطورات التي يجب أخذها بعين الاعتبار اللقاء الذي جمع في القاهرة وفدًا من حركة حماس برئاسة خليل الحية مع وفد التيار الوطني الديمقراطي في حركة فتح برئاسة محمد دحلان.

ووفق البيانات المنشورة، بحث اللقاء تطورات مفاوضات غزة وخارطة الطريق الخاصة بالمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إضافة إلى إغاثة القطاع، وترتيب البيت الفلسطيني على أساس الشراكة والديمقراطية وإنهاء التفرد بالقرار الوطني، وصياغة استراتيجية وطنية شاملة.

واللافت أن قياديًا في حماس تحدث قبل ذلك عن لقاءات متعددة مع تيار دحلان، مشيرًا إلى بحث الانتخابات التشريعية وإمكانية تشكيل تحالف وطني واسع يضم حماس والتيار وشخصيات وفصائل أخرى.

وهذا التطور يحتاج إلى قراءة هادئة بعيدًا عن التفسير التآمري أو الاستنتاجات غير الموثقة.

فالمؤكد هو وجود حوار سياسي وانتخابي فلسطيني بين حماس وتيار دحلان. أما القول بوجود اتفاق نهائي لتقاسم السلطة أو تشكيل حكومة فلسطينية جديدة أو تسليم غزة لهذا التيار، فلا تؤيده حتى الآن وثيقة معلنة يمكن الاستناد إليها.

لكن سياسيًا، فإن مجرد انتقال الحوار إلى مستوى ترتيب البيت الفلسطيني والتحالفات الانتخابية يحمل دلالة مهمة، لأنه يشير إلى أن بعض القوى تستعد للتعامل مع الانتخابات باعتبارها أداة لإعادة تشكيل موازين القوى الفلسطينية.

خامسًا: ماذا عن تفاهمات حماس مع إدارة ترمب؟

هنا ينبغي الفصل بين المعلن والمستنتج.

المعطيات المنشورة تشير إلى لقاءات بين المبعوث الأميركي جاريد كوشنر وقيادة حماس، في إطار السعي إلى تنفيذ المرحلة الثانية من ترتيبات وقف إطلاق النار وخارطة الطريق الخاصة بغزة.

وبحسب ما نقلته مصادر صحفية عن تلك الاتصالات، أكدت إدارة ترمب رفضها لأي مخطط لتهجير سكان غزة، بينما بقي ملف نزع سلاح الفصائل من أبرز القضايا المطروحة، في مقابل مطالبة حماس بضمانات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي وتنفيذ الالتزامات المتفق عليها. كما أعلنت حماس موافقتها على خارطة الطريق، بينما بقي الخلاف قائمًا حول آليات التنفيذ وتسلسل الخطوات.

وبالتالي، لا يصح سياسيًا أو مهنيًا القول إن هناك «صفقة نهائية بين ترمب وحماس» بشأن مستقبل غزة ما لم تُعلن وثيقة رسمية بذلك.

لكن يمكن استنتاج وجود مسار تفاوضي مباشر وغير مباشر يبحث في:

تثبيت وقف إطلاق النار.

تنفيذ المرحلة الثانية من الترتيبات.

الانسحاب الإسرائيلي.

مستقبل السلاح في غزة.

إدخال المساعدات وإعادة الإعمار.

شكل الإدارة الانتقالية للقطاع.

مستقبل العلاقة بين غزة والضفة.

إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.

وهنا تكمن الصلة المباشرة بالانتخابات؛ فإذا كانت الإدارة الأميركية تريد إنتاج ترتيبات سياسية مستقرة لليوم التالي في غزة، فإن وجود مرجعية فلسطينية منتخبة وذات شرعية شعبية قد يصبح عنصرًا مهمًا في أي تسوية مستقبلية.

سادسًا: الانقسام داخل فتح عامل حاسم

لا تواجه فتح تحديها التقليدي في المنافسة مع حماس فقط، وإنما تواجه أيضًا مشكلة تعدد التيارات ومراكز النفوذ داخل الحركة.

وهذا الأمر يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في شكل القوائم الانتخابية وفي نتائج الانتخابات.

فإذا دخلت فتح بقائمة موحدة، فإنها تحافظ على قدرتها التاريخية على المنافسة. أما إذا تعددت القوائم والتيارات، فإن الأصوات الفتحاوية قد تتوزع بين أكثر من قائمة، بما يرفع فرص المنافسين.

وتزداد أهمية ذلك مع بروز تيار دحلان في الاتصالات الجارية مع حماس، واحتمال تشكيل تحالفات انتخابية عابرة للانقسامات التقليدية.

وهذا يعني أن الانتخابات المقبلة قد لا تكون فقط مواجهة فتح–حماس؛ بل قد تكون أيضًا إعادة رسم للخريطة داخل فتح نفسها.

سابعًا: ماذا لو عاد نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية؟

الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر ستسبق الانتخابات الفلسطينية بنحو شهر، ما يعني أن نتائجها قد تكون ذات تأثير مباشر في المشهد الفلسطيني.

وتظهر الاستطلاعات الحالية صورة سياسية غير مستقرة، مع تراجع قوة الليكود في بعض الاستطلاعات وتقدم المعارضة، من دون ضمان وجود أغلبية مستقرة لأي معسكر.

إذا عاد نتنياهو إلى الحكم، فإن التقدير الأكثر تحفظًا هو أن ملف غزة والقدس والسلطة الفلسطينية سيبقى شديد الحساسية.

فنتنياهو قد يواصل رفض أي ترتيبات تؤدي إلى تعزيز السلطة الفلسطينية في غزة من دون شروط أمنية وسياسية إسرائيلية، كما أن اليمين الإسرائيلي قد يضغط لمنع أي مسار انتخابي يرى فيه خطوة باتجاه تكريس وحدة سياسية فلسطينية تشمل غزة والضفة والقدس.

لكن في المقابل، فإن إدارة ترمب قد لا تنظر إلى المسألة من الزاوية الإسرائيلية وحدها، خصوصًا إذا أصبحت الانتخابات جزءًا من ترتيبات أوسع لـ«اليوم التالي» في غزة.

وهنا قد ينشأ تباين أميركي–إسرائيلي حول حدود الدور الفلسطيني في إدارة غزة ومستقبل العملية السياسية.

ثامنًا: السيناريوهات المحتملة

  1. إجراء الانتخابات في موعدها

يتطلب هذا السيناريو تثبيت الوضع في غزة، وتمكين لجنة الانتخابات من العمل، وضمان مشاركة القدس، وتفاهمًا فلسطينيًا يمنع الانقسام الداخلي من تعطيل العملية.

  1. تأجيل الانتخابات

وهو احتمال قائم إذا تعذر إجراء الاقتراع في غزة أو القدس، أو استمرت الحرب، أو تعذر توفير الشروط الأمنية والقانونية.

  1. انتخابات غير مكتملة جغرافيًا

وهو أخطر السيناريوهات؛ لأن إجراء الانتخابات في الضفة دون غزة أو القدس قد ينتج مجلسًا منتخبًا لكنه يفتقر إلى مفهوم التمثيل الوطني الشامل.

  1. انتخابات ضمن صفقة سياسية أوسع

وهو السيناريو الأكثر أهمية استراتيجيًا؛ إذ يمكن أن تأتي الانتخابات كجزء من ترتيبات اليوم التالي في غزة، تترافق مع إدارة فلسطينية انتقالية، وإعادة إعمار، وتوحيد المؤسسات، ثم انتخابات رئاسية واستكمال إعادة بناء النظام السياسي.

الخلاصة والتقدير الاستراتيجي

في ضوء المعطيات الحالية، لا يبدو من الموضوعي الجزم بأن الانتخابات ستُلغى، كما لا توجد ضمانات كافية للجزم بأنها ستجري في موعدها.

التقدير الأقرب هو أن الانتخابات ستظل قائمة على المستوى القانوني والسياسي، لكن تنفيذها الفعلي سيبقى مرهونًا بتطورات غزة والقدس ونتائج الانتخابات الإسرائيلية ومستوى التفاهم الفلسطيني الداخلي.

والعامل الأكثر أهمية ليس رغبة أي طرف فلسطيني منفردًا في إجراء الانتخابات، وإنما القدرة على توفير شروط انتخابات شاملة وذات مصداقية.

فالانتخابات الفلسطينية ليست شأنًا إداريًا فحسب؛ إنها ممارسة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واختيار ممثليه. وهذا الحق لا ينبغي أن يصبح رهينة للموقف الإسرائيلي أو للتجاذبات الداخلية الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، فإن المسؤولية الفلسطينية تقتضي عدم استخدام الاحتلال ذريعة دائمة لتعطيل الاستحقاق الديمقراطي، كما لا يجوز إجراء انتخابات ناقصة تعمق الانقسام بدل إنهائه.

ومن هنا فإن المطلوب فلسطينيًا هو التوصل إلى ميثاق وطني انتخابي يضمن قبول النتائج مسبقًا، ويحظر الاحتكام إلى السلاح بعد الانتخابات، ويضمن حرية الترشح والتصويت، ويضع آليات لمعالجة العقبات الإسرائيلية، خصوصًا في القدس، ويضمن مشاركة غزة بصورة كاملة.

أما اللقاءات بين حماس وتيار دحلان، والاتصالات الأميركية–الفلسطينية، فيجب التعامل معها باعتبارها جزءًا من مخاض سياسي أوسع لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني، وليس باعتبارها صفقة مكتملة المعالم.

ويبقى السؤال الأعمق: هل ستكون الانتخابات مجرد استحقاق لإعادة توزيع مقاعد المجلس التشريعي، أم ستكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني برمته؟

إذا نجح الفلسطينيون في تحويلها إلى انتخابات لإنهاء الانقسام وإعادة توحيد المؤسسات وتجديد الشرعية السياسية، فإنها قد تشكل نقطة تحول تاريخية.

أما إذا أجريت في ظل الانقسام الجغرافي والسياسي، أو استُخدمت لتكريس موازين قوى داخلية جديدة من دون توافق وطني على احترام النتائج، فقد تتحول من أداة لإنهاء الانقسام إلى مرحلة جديدة من الصراع على الشرعية والسلطة.

ولهذا فإن معركة الانتخابات الحقيقية لا تبدأ يوم الاقتراع، وإنما تبدأ الآن، عبر الإجابة عن أربعة أسئلة حاسمة:

من يدير غزة؟

كيف يشارك المقدسيون؟

هل تستطيع فتح توحيد صفوفها؟

وهل تقبل حماس وفتح وسائر القوى الفلسطينية بنتائج صندوق الاقتراع باعتبارها المرجعية الوحيدة لتحديد الشرعية السياسية؟

وعلى ضوء الإجابات عن هذه الأسئلة سيتحدد ما إذا كان 28 تشرين الثاني 2026 سيكون موعدًا للانتخابات الفلسطينية، أم موعدًا مؤجلًا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com