من اقتصاد البقاء إلى التعافي المجتمعي في غزة

بقلم: د. سلامه أبو زعيتر
إن التشخيص السوسيولوجي لـاقتصاد البقاء داخل بيئة المخيمات ومناطق النزوح بقطاع غزة يكشف عن حالة استجابة اضطرارية تشكلت في ظل انقطاع بنيوي حاد. غير أن الوقوف عند حدود التوصيف وإبراز التشوهات الاقتصادية والاجتماعية لم يعد كافياً، بل يستدعي الانتقال الفوري نحو التفكير الاستراتيجي وصياغة مسارات عملية للتعافي البنيوي. فإذا كان اقتصاد البقاء قد وفر الحد الأدنى للاستمرار الوجودي تحت ضغوط التجويع والتفكيك، فإن ترك هذه الديناميكيات الفوضوية تُدار بآليات السوق الموازي يهدد بتحويل التدبير الاضطراري إلى بنية تشوه دائمة. ومن هنا تتجلى الإشكالية المحورية في كيفية الانتقال بالمجتمع المحاصر والنازح من مرحلة التكيف الفوضوي وإعادة التسليع الحاد إلى رحاب التعافي المنظم والصمود البنيوي، عبر هندسة اجتماعية واقتصادية تعيد تجميع الفاعلين وتستعيد أشكال التضامن الأهلي.
تبدأ أولى خطوات هذا التعافي من تفكيك تشوهات الأسواق الموازية العشوائية وحجم الاحتكار المتشابك؛ بدءاً من تجار السيولة المباشرة وباعة البسطات الميدانيين، وصولاً إلى أصحاب العقارات والأراضي الذين قفزوا بأسعار الإيجارات إلى أكثر من خمسة أضعاف. إن هذا الغلو الاستغلالي لحاجة النازحين في ظل تآكل أجور الموظفين والعمال يمثل مظهراً خطيراً للانفصال الوطني والإنساني، حيث تُصمَّم الخيارات لخدمة طبقات طفيلية تنتمي للمال أكثر من انتمائها للوطن. وإن ضبط هذه البيئة لا يتطلب حلولاً رادعة أو أمنية تقليدية قد تصطدم بظروف النزوح المعقدة، بل يعتمد بالأساس على تشكيل لجان حماية مجتمعية وشعبية مرنة تضم ممثلين عن الأهالي والمبادرات الأهلية لفرض سقوف سعرية عادلة للسلع الإغاثية والأساسية، وضبط أجور المساكن والأراضي بما يتناسب مع قدرات النازحين للحد من المضاربة التي تستنزف قدرتهم الشرائية. ويتوازى ذلك مع ضرورة تطوير الحوكمة المالية الرقمية عبر تفعيل وتطوير المحافظ الإلكترونية وإنشاء منافذ صرف طارئة تضمن وصول السيولة أو بدائلها الرقمية بسلاسة ومرونة، مدعومة بتأمين نقاط اتصال وشبكات طاقة شمسية مجتمعية طارئة تضمن استمرارية الخدمات المالية الرقمية وانسيابيتها، بما يحمي كرامة الإنسان والنازح ويقطع الطريق على أمراء الأزمات وتجار الحروب.
كما يتطلب المسار إعادة الاستثمار في رأس المال الاجتماعي والأخلاقي لتجاوز حالة التنافس الحاد على الموارد الشحيحة؛ فقد أدت ظروف النزوح القاسية إلى ضغوط شديدة على شبكات التكافل التقليدية، مما يستدعي إعادة تفعيل اللجان العائلية والمجتمعية داخل مخيمات النزوح لتقوم بدور الناظم في توزيع الأعباء وإدارة الموارد المتاحة، فإن تحويل العمل الإغاثي والتضامني من منطق الفردانية والتسليع إلى منطق الإدارة الجماعية المنظمة يساهم في كسر حلقة التنافس والاستقطاب، ويستعيد روح التضامن الأهلي والتكافل المعهودة في قطاع غزة، متيحاً المجال لتطوير آليات مقايضة وتكافل خدمي وعيني مؤطرة تحمي الأسر الأكثر هشاشة -وبالأخص كبار السن وذوي الإعاقة وجرحى الحرب الذين لا يستطيعون خوض منافسة البقاء اليومية- وتصون كرامتهم وتعزز التماسك الأخلاقي والنفسي للمجتمع.
وفي سياق متصل، تتجلى ضرورة حماية الأطفال وإعادة بناء الهرمية الأسرية التي تعرضت لاهتزازات عميقة جراء انخراط أفراد غير مؤهلين في الدورة الاقتصادية اليومية، وإن انتشال الأطفال من سوق العمل الاضطراري ومواقع الانتظار في طوابير المياه والتكايا يتطلب صياغة تدخلات حمائية حازمة؛ ترتبط فيها -على سبيل المثال- المساعدات المقدمة للأسر بشرط إلحاق الأطفال بالمساحات التعليمية البديلة والأنشطة النمائية والنفسية المخصصة لهم، ومساعدتهم في تقديم بدائل تعينهم بدلاً من تشغيل الأطفال. كما أن دعم المعيلين الأسريين وتفعيل أدوارهم الإنتاجية يساهم في تخفيف الأعباء المركبة التي أُلقيت على عاتق النساء تحت خط الصفر المعيشي، مما يعيد توازن العلاقات العائلية ويمنع تفكك البنية الأسرية تحت وطأة الأزمة المعيشية.
وعلى صعيد السياسات الإغاثية والتشغيلية، ينبغي أن تتحول المؤسسات الدولية والأهلية جذرياً عن النموذج الحالي لتوزيع الطرود العينية السلبية. فهذا النموذج بات يكلف النازح للحصول عليه أكثر من قيمته المادية، وأفرز فئة من المنتفعين الذين يجمعون الطرود على أبواب مراكز التوزيع لإعادة بيعها عبر مناقصات وإعادة إدخالها في حلقة دائرية مفرغة تستفيد منها مؤسسات وتجار على حساب النازح؛ حيث ينتهي المطاف بهذه المساعدات مفككة ومُفرَزة في الأسواق الموازية دون تحقيق منفعة حقيقية للأسر، والمطلوب اليوم هو التوجه نحو نموذج التمكين الإنتاجي والنقد مقابل العمل لإحياء الدورة المالية وانتعاش السوق المحلي؛ من خلال ضخ الأموال عبر برامج تشغيلية طارئة تُنفذ داخل المخيمات، ودعم المشاريع الصغرى والتعاونيات والمبادرات الإنتاجية والمطابخ والورش المجتمعية المنزلية، وتفعيل مبادرات الزراعة الحضرية الصغرى وإنتاج الغذاء المجتمعي داخل تجمعات النزوح، إلى جانب إقامة مساحات عمل مجهزة بالطاقة والاتصالات للعمل عن بُعد والعمل الحر، بما يضمن تدوير النقد داخل البيئة المحلية وإحياء القدرة الشرائية الذاتية، بدلاً من إغراق الأسواق بسلع تكرّس الاتكالية وتستنزف ما تبقى من رأس المال البشري.
إن الانتقال من اقتصاد البقاء الفوضوي إلى التكافل المستدام يمثل بحد ذاته فعل مقاومة سوسيولوجية وصموداً مجتمعياً مُمنهجاً؛ فالغاية ليست مجرد إدارة الأزمة أو امتصاص صدماتها المعيشية، بل استعادة الفاعلية المجتمعية وسلب الحرب قدرتها على تفكيك نسيجنا الاجتماعي الأنيق. إن بناء هذه الأطر الاجتماعية والاقتصادية الطارئة لا يداوي الجراح اللحظية داخل مخيمات النزوح فحسب، بل يضع اللبنات البنيوية الأولى لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار فيما بعد العدوان، ممهداً الطريق لاستعادة غزة لزمام المبادرة وإعادة بناء ذاتها على أسس راسخة من الكرامة والتكامل والعدالة الاجتماعية.
ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقعٍ معاش، فإن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تستوجب تدشيناً فورياً لـغرفة طوارئ للتعافي المجتمعي تجمع الفاعلين، وأصحاب العلاقة، والشركاء الاجتماعيين والأهليين، والمؤسسات الدولية، وفق معايير صارمة من الشفافية المالية والرقابة المجتمعية المستقلة تضمن حمايتها من التسييس، لتنفّذ ثلاث توصيات عملية عاجلة: أولاها، الإسراع في مأسسة حوكمة النقد الرقمي وضبط الأسواق والإيجارات وسقوف أسعار السلع بمستوى قدرات النازحين والمكلومين لمنع النهب الطفيلي للقدرة الشرائية. وثانيها، اشتراط ربط المساعدات الإغاثية بإعادة الأطفال إلى المساحات التعليمية البديلة وحمايتهم من التسرب لسوق العمل الاضطراري. وأخيراً، تحويل ما لا يقل عن نصف الميزانيات الإغاثية نحو مشاريع النقد مقابل العمل، والإنتاج الغذائي والمحلي الصغير، وإن هذا التحول من منطق الإغاثة الاستهلاكية إلى منطق التمكين الإنتاجي هو الجسر الوحيد الذي سيعبر بالمجتمع من رماد الانكسار والاحتياج إلى أفق التعافي والصمود المستدام.
00970599855225
0097082456626
0097082882133
skype/ salamapgftu2005



