أشفق على قبة البرلمان من ديوك السياسة الفلسطينية.. بقلم: شريف الهركلي

هل تجتمع الشمس والقمر؟ وهل تلتقي الأقطاب المغناطيسية المتنافرة؟
سؤالان يبدوان للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال منهما إلى السياسة، لكنهما يختصران كثيرًا من المشهد الفلسطيني. كيف تلتقي التنظيمات المختلفة في الانتخابات، وهي تحمل أفكارًا ورؤى وأيديولوجيات متباينة؟ وكيف تنسى، ولو مؤقتًا، حالة التجاذب الفكري والسياسي التي حكمت علاقاتها لعقود؟
اختلفت التنظيمات الفلسطينية وتنوعت، لأنها تحمل أفكارًا تحررية ووطنية متعددة؛ قد تلتقي في محطات، وقد تختلف في محطات أخرى. وهذا الاختلاف ليس بالضرورة عيبًا، فالتعددية السياسية يمكن أن تكون مصدر قوة إذا بقيت في إطار المشروع الوطني.
لكن السؤال المؤلم: لو لم تختلف التنظيمات الفلسطينية، فهل كنا نحتاج أصلًا إلى كل هذا العدد من التنظيمات؟
فإذا كانت الأقطاب المتنافرة قادرة على الاجتماع في قائمة انتخابية واحدة من أجل الفوز، فما الذي يمنعها من الاجتماع على مشروع وطني واحد يحمي القرار الفلسطيني، ويبني البيت الفلسطيني، ويضع مصلحة الوطن فوق الحسابات التنظيمية؟
قد تبدو الفكرة مجنونة، لكنها تستحق التفكير: ماذا لو ألغينا التنظيمات بصيغتها الحالية، وانتقلنا إلى إطار وطني فلسطيني واحد، يحمل استراتيجية موحدة، ويتيح داخله مساحة للاختلاف الفكري والسياسي؟
ربما ننجح بذلك في تجاوز صراع الأجندات المختلفة في الإقليم والعالم، وتشكيل كتلة فلسطينية صلبة قادرة على مواجهة الاحتلال، وحماية القرار الوطني، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة والمؤسسات.
وبعد عقود من التجربة، لماذا لا نعيد التفكير في شكل الانتخابات نفسها؟ لماذا لا تكون الانتخابات قائمة على الشخصية والكفاءة والبرنامج، بدل أن تكون هوية التنظيم هي الطريق الأول إلى البرلمان؟
ولماذا لا تتولى الدولة نفقات الحملات الانتخابية وفق قانون عادل وشفاف، حتى لا يصبح المال شرطًا للوصول إلى البرلمان؟
إن اشتراط تأمين للمرشح بقيمة خمسة آلاف دولار، أو تحميله أعباء مالية كبيرة لحملته الانتخابية، قد يحرم كثيرًا من المثقفين والكتاب والأكاديميين وأصحاب الخبرات الوطنية من مجرد التفكير في الترشح. فقد يملك الإنسان رؤية سياسية وتجربة وطنية وثقافة واسعة، لكنه لا يملك ثمن الحملة.
وهنا نخسر النخب، لا لغياب الكفاءة، وإنما لغياب المال.
الانتخابات يجب أن تفرز قيادات وازنة، لا أن تعيد إنتاج الوجوه نفسها. والبرلمان لا ينبغي أن يكون ساحة لاستعراض القوة التنظيمية، بل مساحة للتشريع والرقابة وصناعة القرار الوطني.
أنا أشفق على قبة البرلمان من «ديوك السياسة الفلسطينية»؛ أولئك الذين قد يدخلونها بخطابات عالية الصوت، بينما تحتاج القبة إلى عقول هادئة، وشخصيات تعرف كيف تختلف دون أن تتقاتل، وكيف تتحاور دون أن تهدم البيت الفلسطيني.
وفي غزة، التي أنهكتها الحرب والانقسام، ربما لا تزال تنتظر ذلك الديك الوطني الأصفر، البعيد القريب، الذي غاب عقدين من الزمن، وتغيّر لونه من الأصفر إلى ألوان الطيف الفلسطيني؛ ديكًا يمتلك قبولًا فلسطينيًا وإقليميًا ودوليًا، وقادرًا على أن يضع حدًا لصياح الديوك السياسية، ويعيد ترتيب المشهد تحت راية وطن واحد.
فهل يعود بعد هذا الغياب الطويل؟ وهل يستطيع، إن عاد، أن يجمع المختلفين ويضبط إيقاع الديوك السياسية؟
وكما يُستأنس بفكرة الشاعرة أحلام مستغانمي عن الأحلام التي تبدو مجنونة، فإن بعض الأحلام التي تبدو بعيدة عن الواقع قد تكون هي الطريق الأقصر لصناعة واقع جديد.
فربما تكون الأحلام المجنونة أكثر قدرة على تحقيق الواقع.
أشفق على قبة البرلمان من ديوك السياسة الفلسطينية.



