أثرياء الحروب.. د. مروان مشتهى

لقد اكتوى أهل غزة بحرب لا تبقي ولا تذر، طالت الحجر والشجر ومنظومة الحياة برمتها، مما شكل واقعًا جديدًا وإنسانًا جديدًا لا نعرفه، وتبدلت الطبقات الاجتماعية والسياسية، وبرزت بالتالي ظاهرة “أثرياء الحروب” التي باتت تشكل تهديدًا خطيرًا للسلم الأهلي والاستقرار الاقتصادي والبنيوي في قطاع غزة، في ظل غياب سلطة القانون والنظام، وبروز سلطة العشائر والمخاتير باعتبارها قوة ناظمة لإصلاح ما يمكن إصلاحه.
ولقد طفت على السطح ثروات أباطرة الحرب في ظل حالة التشظي والعوز لدى الغالبية العظمى من الناس التي فقدت بيوتها ومصادر رزقها وفلذات أكبادها، في ظل أوضاع معيشية غاية في الصعوبة، وخيام مهترئة، ونظام توزيع غير عادل للطرود الغذائية، وطوابير المياه، وتفشي الفقر المدقع، وهشاشة الأمن الغذائي.
وشكلت حالات الثراء هذه انقسامًا حادًا في طبقات المجتمع من خلال المقارنات والقوة الشرائية المرتفعة، والقدرة على شراء العقارات والشقق في المناطق الحساسة، وامتلاك “الجيبات” الحديثة بأرقام فلكية، وتأسيس مشاريع استثمارية، بينما المواطن المسحوق لا يكاد يستطيع تدبير شؤونه الحياتية اليومية.
تنشأ هذه الثروات المفاجئة نتيجة تشوه الهيكل الاقتصادي، وغياب الضوابط السوقية، واستغلال حاجة الناس، والتسهيلات والنفوذ التي يتمتع بها هؤلاء؛ من خلال استغلال النقص الحاد في السلع الضرورية لرفع هامش الربح إلى مستويات قياسية. ولا يخفى علينا ما مرت به غزة من مجاعة وارتفاع حاد في أسعار المواد الأساسية، مما يفرض أعباءً مالية قاسية على الأسر المحتاجة.
وقد ساهمت بعض التجاوزات المتمثلة في تسريب المساعدات الإنسانية والتبرعات عن مساراتها المجانية المخصصة للمتضررين لإعادة تدويرها وبيعها في الأسواق السوداء في تفاقم الوضع، واستغلال أصحاب الثراء لذلك من خلال قدرتهم على “التكييش” وتوفير السيولة النقدية. كما مثل غياب الرقابة الصارمة على التحويلات المالية للمبادرين نوعًا من الثراء لتلك الفئات، حيث تضخمت حساباتهم في البنوك مما دفعهم لشراء العقارات في الداخل والخارج، ليتحول الدعم الإغاثي الذي يأتي باسم الشعب الفلسطيني إلى وسيلة لزيادة حساباتهم ومشاريعهم الشخصية.
إن انتقادنا لهذه الممارسات لا يعني بالضرورة التعميم؛ فهناك من التجار وأصحاب النفوذ من رفضوا الخوض في تلك الممارسات، بل كانوا عونًا وسندًا لأبناء شعبهم.
والشاهد أننا بحاجة إلى تصحيح الانحرافات وتوجيه البوصلة نحو الاتجاه الصحيح من خلال الحوكمة والشفافية والمحاسبة؛ لاستعادة التوازن المجتمعي، وإيجاد آليات تتبع ومراقبة، وفرض التدقيق المالي والإداري على كافة الجهات والمؤسسات التي تجمع التبرعات، إضافة إلى إيقاف الحسابات البنكية التي تربحت في أوقات قياسية ومراجعة حركاتها المالية وأوجه صرفها.
إن المحافظة على النسيج الاجتماعي وتصليب الجبهة الداخلية يتطلبان تظافر الجهود القانونية والعشائرية والدينية والقيمية والأخلاقية.
#مروانيات



