*شتاء قاسٍ… بين الركام والخيمة*

بقلم الاعلامية: رانية مرتجى
غزة – فلسطين
يبدأ الشتاء على النازحين في غزة بقسوة لا تترك لهم ملاذًا: مطرٌ يتسرّب إلى خيام مهترئة، ورياحٌ تعصف بما تبقّى من أغطية، وبردٌ يلاحق عائلات فقدت منازلها وأرهقتها الحرب والنزوح. هنا، لا يأتي الشتاء كفصل عابر، بل كاختبار يومي للبقاء، فيما يحاول الآباء حماية أطفالهم من البرد دون سقف أو جدران.
في الظروف الطبيعية، يستعد الناس للشتاء بالملابس الدافئة والأغطية ووسائل التدفئة، أما في غزة، فتستقبل العائلات الغيوم بقلق. فالخيام لا تصمد أمام الرياح، والمياه تتسرّب إلى أماكن النوم، وتتحول الأرض إلى طين، ويصبح الحفاظ على فراش جاف أو قطعة ملابس نظيفة معركة يومية.
لا ينتهي فقدان المنزل عند الجدران والسقف؛ فالبيت يحمل ذكريات العمر وطمأنينة الأطفال. وحين يتحول إلى ركام، يضطر الإنسان إلى النزوح حاملًا ما استطاع إنقاذه، تاركًا خلفه حياة لا تُعوّض.
يكشف الشتاء حجم المأساة من جديد؛ فالركام لا يحمي من المطر، والخيمة لا تعوّض البيت، والأغطية القليلة لا تكفي لمواجهة البرد. وبين ماضٍ دُفن تحت الأنقاض وحاضر يحاول فيه الناس الحفاظ على ما تبقّى من حياتهم وكرامتهم، تبقى أسئلة العائلات معلّقة: أين ستسكن؟ وكيف ستؤمّن احتياجات أطفالها؟
حمايتهم لا تقتصر على توفير بطانية أو خيمة، بل تشمل ضمان المأوى والغذاء والرعاية الصحية والتعليم، وحقهم في طفولة بعيدة عن الخوف والحرمان.
الخيمة والبطانية ضرورة عاجلة، لكن المعاناة أكبر من مساعدات موسمية. فالشتاء يفاقم نقص المياه النظيفة والغذاء والدواء، ويزيد مخاطر الأمراض بسبب المياه الراكدة والنفايات ومشكلات الصرف الصحي، خصوصًا على الأطفال وكبار السن والمرضى.
لذلك، فإن توفير المأوى والملابس والأغطية ليس رفاهية، بل حدٌّ أدنى للحياة بكرامة. وتحتاج غزة إلى استجابة مستدامة تشمل توفير مأوى ملائم، وإصلاح المساكن المتضررة، وتأمين الغذاء والدواء ومياه الشرب، وتحسين الصرف الصحي، وضمان وصول المساعدات إلى الأكثر احتياجًا.
غزة لا تحتاج إلى الشفقة وحدها، ولا إلى مدح قدرتها على تحمّل الألم، بل إلى أفعال تحمي أهلها وتمنحهم الأمان والكرامة. وراء كل خيمة مغمورة أو طفل يرتجف، عائلة لها احتياجات لا تنتظر.
لا ينبغي أن يصبح الدفء حلمًا، أو السقف أمنية، أو أن يقضي الإنسان شتاءه خائفًا من المطر. فأبسط حقوق الإنسان أن يجد مكانًا يحتمي فيه من البرد، وأن ينام دون خوف، وأن يستيقظ على صباح لا يحمل معاناة إضافية.
وبين الركام والخيمة، يتمسّك الإنسان الغزّي بما تبقّى من حياته وأمله، لكن الأمل وحده لا يكفي، والصمود لا يصنع مأوى، والكلمات لا تمنع المطر من التسرّب إلى الخيام. لذلك، سيبقى شتاء غزة اختبارًا قاسيًا لضمير العالم، وسؤالًا مفتوحًا عن قيمة الإنسانية.



