ماذا سيغيّر مؤتمر حركة فتح الثامن القادم؟

رسالة إلى أعضاء المؤتمر: بين لحظة المراجعة وفرصة الإنقاذ..
بقلم د. عبدالرحيم جاموس
على أعتاب المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح، لا يقف السؤال عند حدود التوقع، بل يتجاوزها إلى مستوى المسؤولية: ماذا ستفعلون بهذه اللحظة؟ فالمؤتمر، في سياق الانقسام، وتراجع الثقة، وتصاعد التحديات، لم يعد مناسبة تنظيمية، بل لحظة فاصلة بين مسارين: استعادة الدور أو استمرار التآكل.
أنتم، أعضاء المؤتمر، لا تجتمعون لانتخاب قيادة فحسب، بل لتحديد ما إذا كانت فتح ستبقى حركة تحرر وطني حية، أم تتحول تدريجيًا إلى إطار تقليدي فاقد للمبادرة. وهذه ليست مبالغة، بل قراءة لواقع يزداد تعقيدًا في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تتآكل الثقة، وتُختبر الشرعيات، وتُملأ الفراغات بقوى أخرى أكثر حضورًا ميدانيًا.
أول ما ينبغي أن يتغيّر هو الوضوح. لقد دفعت الحركة ثمن التردد وتعدد الرسائل. المطلوب اليوم ليس خطابًا توفيقيًا، بل تعريف صريح للدور: هل أنتم بصدد إعادة بناء حركة تقود مشروعًا وطنيًا تحرريًا، أم إدارة واقع سياسي قائم؟ هذا الحسم هو نقطة البداية، لأن ما بعده—من سياسات وخيارات—سيتحدد على أساسه.
ثانيًا، لا يمكن لأي تغيير أن يحدث دون مراجعة شجاعة. ليست مراجعة شكلية تُكتب في التقارير، بل مراجعة تعترف بالأخطاء، وتحدد مكامن الخلل، وتضع معايير واضحة للمساءلة. إن تجديد القيادات ليس شعارًا، بل ضرورة حيوية. ضخ دماء جديدة، وإفساح المجال للكفاءات، وربط الموقع بالأداء لا بالولاء—كلها شروط لاستعادة الحيوية. فالحركات التي لا تُجدّد نفسها، يُجدّدها الواقع خارج إرادتها.
ثالثًا، إن إعادة الاعتبار للمؤسسة داخل فتح لم تعد خيارًا. غياب العمل المؤسسي، وتغليب مراكز النفوذ، أضعف القرار وأربك الأداء. أنتم أمام فرصة لإعادة بناء نظام داخلي قائم على الشفافية، وتوزيع الصلاحيات، والمساءلة. فالقوة التنظيمية لا تُقاس بعدد الأعضاء، بل بقدرتها على إنتاج قرار رشيد وتنفيذه.
أما سياسيًا، فإن التحدي الأكبر هو الخروج برؤية قابلة للتنفيذ. لا يكفي التمسك بالثوابت، بل يجب تحويلها إلى سياسات واضحة: ما هو أفق العملية السياسية في ظل انسدادها؟ كيف تُدار العلاقة مع الاحتلال؟ ما هي أدوات النضال الممكنة اليوم؟ وكيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية جامعة؟ إن الغموض في هذه الأسئلة لم يعد مقبولًا، لأن كلفته تُدفع يوميًا على الأرض.
وفي هذا السياق، تبقى العلاقة مع حركة حماس اختبارًا حقيقيًا لجدية التغيير. إن استمرار الانقسام لم يعد مجرد خلاف، بل خطر وجودي يهدد المشروع الوطني برمته. والمطلوب منكم ليس إدارة الانقسام، بل امتلاك شجاعة إنهائه، عبر مقاربة جديدة تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، استعادة البعد الشعبي للحركة. فتح لم تكن يومًا نخبة مغلقة، بل كانت تعبيرًا عن نبض الناس. إن اتساع الفجوة بين القاعدة والقيادة، إن لم يُعالج، سيقوّض أي محاولة للإصلاح. المطلوب هو العودة إلى الميدان، إلى الناس، إلى قضاياهم اليومية، وإعادة بناء الثقة بالفعل لا بالخطاب.
كما أن المرحلة تفرض إعادة تعريف أدوات النضال. فالمواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية، وقانونية، وإعلامية. تفعيل المقاومة الشعبية، والانخراط الفاعل في المحافل الدولية، واستخدام أدوات القانون الدولي—كلها مسارات يجب أن تُدار بعقل استراتيجي، لا بردود فعل آنية.
أيها الأعضاء، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يمر المؤتمر دون أن يترك أثرًا. أن يُعاد إنتاج الوجوه ذاتها، والآليات ذاتها، والخطابات ذاتها. حينها، لن يكون المؤتمر محطة إنقاذ، بل حلقة إضافية في مسار التراجع.
لكن الفرصة ما زالت قائمة. بين أيديكم إمكانية حقيقية لإعادة تعريف فتح، لا كشعار تاريخي، بل كقوة فاعلة قادرة على المبادرة والتجديد. إن القرار الذي ستتخذونه—صراحةً أو ضمنًا—لن يحدد فقط شكل الحركة، بل موقعها في مستقبل القضية الفلسطينية.
السؤال الذي يجب أن يرافقكم في كل جلسة ليس: من يفوز؟ بل: هل ستخرج فتح من هذا المؤتمر أقوى مما دخلته؟
فإن كان الجواب نعم، فقد بدأ التغيير.
وإن كان غير ذلك، فإن التأجيل لن يكون إلا على حساب التاريخ.
عشتم وعاشت فتح وعاشت فلسطين.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
15/4/2026 م
مثل المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح لحظة مفصلية تتجاوز البعد التنظيمي إلى فضاء إعادة تعريف الدور والوظيفة في سياق وطني مأزوم.
فالنص الذي يقدمه د. عبد الرحيم جاموس لا يقرأ المؤتمر كاستحقاق داخلي فحسب، بل كاختبار تاريخي لقدرة الحركة على التحول من حالة التآكل البطيء إلى استعادة الفعل والمبادرة.
أول ما يلفت في هذه القراءة هو الانتقال من منطق التوقع إلى منطق المسؤولية. الكاتب لا يسأل ماذا سيحدث، بل يضع أعضاء المؤتمر أمام سؤال أخلاقي وسياسي: ماذا ستفعلون؟ وهذا التحول في زاوية النظر يعكس إدراكًا بأن الأزمة لم تعد ظرفية، بل بنيوية، تتعلق بهوية الحركة ودورها. فـحركة فتح لم تعد تواجه تحديات خارجية فقط، بل أزمة تعريف داخلي بين كونها حركة تحرر وطني أو إطارًا سياسيًا تقليديًا يدير واقعًا قائمًا.
ثانيًا..تبرز في النص مركزية “الوضوح” كشرط أولي لأي إصلاح. فالكاتب يشخّص أحد أخطر أمراض المرحلة: تعدد الخطابات وتضارب الرسائل. هذا الطرح عميق، لأنه يربط بين غياب الوضوح وفقدان الثقة الشعبية، ويؤكد أن الحسم الفكري والسياسي هو المدخل لإنتاج سياسات متماسكة. بمعنى آخر، لا يمكن بناء استراتيجية دون تعريف دقيق للهدف.
ثالثًا ..أتي الدعوة إلى المراجعة الشجاعة كركيزة إصلاحية. هنا يتجاوز النص الخطاب الإنشائي إلى مقاربة عملية: الاعتراف بالأخطاء، تحديد مكامن الخلل، وربط المسؤولية بالمحاسبة. هذه ليست مجرد دعوة أخلاقية، بل شرط لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية. فالحركات التي تفشل في تجديد نخبها وتحديث آلياتها، تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير، وهو ما ألمح إليه الكاتب بذكاء حين أشار إلى أن الواقع قد يفرض التغيير من خارج الإرادة التنظيمية.
رابعًا..يسلّط النص الضوء على أزمة المؤسسة داخل الحركة. إذ يشير إلى تغوّل مراكز النفوذ على حساب العمل المؤسسي، وهو تشخيص دقيق لأحد أبرز أسباب ضعف الأداء السياسي. إن إعادة بناء مؤسسات فاعلة قائمة على الشفافية وتوزيع الصلاحيات ليست ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة لاستعادة القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بفعالية.
أما على المستوى السياسي، فإن النص يضع إصبعه على جوهر الأزمة: غياب الرؤية القابلة للتنفيذ. فالتشبث بالثوابت دون ترجمتها إلى سياسات عملية يفقدها قيمتها. وهنا تتقاطع هذه القراءة مع واقع الانسداد السياسي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، ما يستدعي إعادة التفكير في أدوات النضال وآلياته، سواء على المستوى الشعبي أو القانوني أو الدولي.
وفي سياق متصل، يبرز ملف العلاقة مع حركة حماس كاختبار حقيقي لجدية التغيير. فالكاتب لا يتعامل مع الانقسام كخلاف سياسي عابر، بل كخطر وجودي يهدد المشروع الوطني. وهذا توصيف يعكس عمق الأزمة، ويضع المؤتمر أمام مسؤولية تاريخية: الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنهائه عبر مقاربات جديدة تتجاوز الحسابات الفصائلية الضيقة.
كما لا يغفل النص البعد الشعبي، حيث يشدد على ضرورة استعادة العلاقة مع القاعدة الجماهيرية. فالفجوة بين القيادة والناس، إن استمرت، ستقوّض أي محاولة إصلاح. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن شرعية حركة فتح تاريخيًا كانت تستند إلى حضورها في الشارع، لا فقط إلى موقعها في السلطة.
في المحصلة، يقدم النص رؤية تحليلية متماسكة تعتبر المؤتمر الثامن فرصة نادرة بين مسارين: إما إعادة التأسيس على أسس واضحة ومؤسسية وشعبية، أو الاستمرار في مسار التراجع عبر إعادة إنتاج الأدوات ذاتها. قوة هذا الطرح تكمن في أنه لا يقدّم وصفات جاهزة، بل يطرح أسئلة حاسمة، ويعيد تعريف المؤتمر كفعل تاريخي لا يحتمل التأجيل.
إنها لحظة اختبار حقيقية: فإما أن تنجح حركة فتح في استعادة ذاتها كحركة تحرر وطني قادرة على الفعل، أو تواصل الانزلاق نحو دور رمزي محدود. وبين هذين الخيارين، يتحدد ليس فقط مستقبل الحركة، بل ملامح المرحلة القادمة من المشروع الوطني الفلسطيني.

✒️قراءة تحليلية بقلم د عادل جوده من العراق
تحياتي واحترامي🌹🌹🌹



