ما وراء الفوضى: معضلة “الأمن والفراغ” في قطاع غزة.. بقلم: د. سالم سعد

تفرض التحديات الراهنة في قطاع غزة على الكل الفلسطيني وقفة جادة تتجاوز رصد أحداث الحرب اليومية، لتغوص في قراءة التحولات البنيوية التي تصيب “عقدة الأمن”. إن ما يعيشه المجتمع اليوم ليس مجرد تداعيات أمنية مباشرة، بل هو تجلٍّ لأزمة مركبة يمكن وصفها بـ “معادلة الأمن والفراغ”؛ حيث تتقاطع عمليات الإزاحة القسرية للهياكل المؤسسية مع محاولاتٍ للإحلال، مما يضع مستقبل النسيج الاجتماعي أمام منعطف حرج.
إن سياسات الإزاحة، التي فرضتها ظروف الحرب وتدمير مقومات السلطة بفعل الانقسام، لم تؤدِ فقط إلى شلل المؤسسات الأمنية، بل خلقت “فراغاً بنيوياً” تسللت منه مظاهر الفوضى. إن انهيار منظومة القيم، التي لطالما شكلت صمام أمان للمجتمع في أزماته، هو نتاج طبيعي لتلاشي “هيبة القانون” في الفضاء العام. هذا الفراغ لم يعد مقتصراً على الجانب الأمني البحت، بل امتد ليتسبب في تآكل الثقة المتبادلة بين الأفراد، مما يفتح الباب واسعاً أمام ارتفاع معدلات الجريمة وتغول المظاهر المسلحة التي تعمل خارج نطاق التوافق الوطني.
من أخطر تداعيات هذه المرحلة بروز “تعدد مراكز القوة”، حيث تظهر كيانات ومجموعات مسلحة تعمل خارج إطار النظام العام. إن وجود سلاحٍ خارج إطار السلطة الواحدة هو تهديدٌ لا يمس أمن المواطن فحسب، بل يقوض فرص استعادة الاستقرار مستقبلاً. إن هذا التشظي يؤدي إلى حالة من “التنافس على النفوذ” بدلاً من “التكامل في الإدارة”، مما يستنزف المجتمع ويعيق أي محاولة للتعافي من آثار الحرب.
إن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب الانتقال من سياسة “رد الفعل” إلى “إدارة الفراغ” وفق رؤية استراتيجية.
تحتاج الجبهة الداخلية إلى إدارة مهنية، تتسم بالحيادية والمسؤولية، وتعمل تحت مظلة سلطة واحدة وسلاح واحد لغايات الحماية الوطنية.
لا يمكن استعادة السلم المجتمعي دون منظومة قضائية وأمنية قادرة على إنفاذ القانون، وهذا يتطلب استقلالاً في القرار الإداري وقدرة على تثبيت دعائم الاستقرار.
يجب إشراك القوى المجتمعية والنخب في حماية الجبهة الداخلية، لضمان عدم ترك الفراغ للميليشيات أو الانفلات الأمني.
إن مستقبل قطاع غزة مرهون بقدرتنا على معالجة “فجوات الفراغ” قبل أن تتحول إلى حقائق دائمة. فالأمن ليس مجرد غيابٍ للعنف، بل هو حضورٌ فاعلٌ للمؤسسة في وجدان المواطن. إن المسؤولية التاريخية تقتضي من كافة الأطراف إدراك أن الفوضى لا تخدم أحداً، وأن استعادة “سلطة القانون” هي البوابة الوحيدة لضمان بقاء المجتمع وتماسكه في وجه التحديات الوجودية.
لذا، فلنعمل معاً لوقف المقتلة وحرب الإبادة، حمايةً لما تبقى من مقدراتنا الوطنية، واستعادةً لوحدتنا الوطنية بعيداً عن الحزبية والفئوية الضيقة التي أضاعت بوصلتنا وأطاحت بالكل الفلسطيني.



