من الطوفان إلى التصويب: من يصنع التاريخ حين ينفتح الإمكان؟

بقلم د. عبدالرحيم جاموس
لم يعد النقاش حول كتاب د. غانية ملحيس «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ» نقاشًا حول حدث السابع من أكتوبر وحده، ولا حول تقييمه العسكري أو السياسي أو الأخلاقي، بل أخذ يتسع ليصبح نقاشًا في سؤال أعمق: متى يتحول الحدث التاريخي من زلزال يكشف هشاشة الواقع إلى بداية لمسار قادر على تغيير هذا الواقع؟

وهنا أجد أن الحوار الذي فتحته د. غانية ملحيس مع قراء كتابها، وما أضافه د. صالح الشقباوي، ثم القراءة التفاعلية التي قدمها عبدالرحمن بسيسو، قد نقل المسألة إلى منطقة أكثر أهمية من مجرد الدفاع عن عنوان الكتاب أو نقده. فقد أصبح السؤال الحقيقي: إذا كان الطوفان قد فتح إمكانًا، فمن يمتلك القدرة على تحويل هذا الإمكان إلى مشروع، والمشروع إلى فعل، والفعل إلى نتائج؟

لقد انطلقت في قراءتي الأولى من عبارة أراها ما تزال صحيحة: الزلزال ليس هو التصحيح، والانكشاف ليس تصويبًا للتاريخ. وقد وافقتني د. غانية على ذلك بوضوح، مؤكدة أن الطوفان لم ينه الاحتلال، ولم يقم الدولة الفلسطينية، ولم يحقق العودة، ولم يُنهِ الانقسام، ولم يُعد بناء الإطار الوطني الجامع. لكنها أضافت معيارًا آخر: أن التحولات التاريخية قد تبدأ قبل ظهور نتائجها النهائية، من خلال تغير شروط الرؤية والفعل، وانهيار أوهام كانت تبدو راسخة.

وهذا التوضيح مهم، لكنه لا ينهي السؤال، بل ينقله إلى مستوى أكثر صعوبة:

كيف نعرف أن الإمكان الذي انفتح قد أصبح مسارًا تاريخيًا بالفعل، وليس مجرد نافذة عابرة قد يغلقها التاريخ من جديد؟

هنا تكمن أهمية مداخلة بسيسو.

فهو لم يتوقف عند الطوفان بوصفه حدثًا، وإنما نقل مركز الاهتمام إلى الذات الفلسطينية وقدرتها على الفعل داخل التاريخ، وإلى الهوة بين الطاقة الوطنية الفلسطينية المنتشرة في فلسطين ومخيمات اللجوء والشتات، وبين حامل سياسي أصابه التكلس والجمود والبيروقراطية والمصالح الفئوية.

وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن يتقدم عندها الحوار خطوة أخرى.

ليس السؤال ماذا فعل الطوفان بنا، بل ماذا سنفعل نحن بما كشفه الطوفان؟

يمكن لحدث تاريخي أن يهز العالم، وأن يكشف هشاشة منظومة كاملة، وأن يعيد قضية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأن يغيّر صورة كانت تبدو نهائية، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني البديل.

فالحدث لا يصنع المشروع الوطني تلقائيًا.

والانكشاف لا ينتج قيادة.

والألم لا يتحول بالضرورة إلى قوة سياسية.

والوعي لا يصبح قدرة إلا إذا وجد حاملًا مؤسسيًا قادرًا على تنظيمه وتوجيهه.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي زلزال تاريخي هو أن تعود القوى القديمة إلى إدارة الواقع بالأدوات القديمة نفسها.

إذا كان الطوفان قد كشف حدود القوة العسكرية، وكشف هشاشة بعض التصورات التي بنت عليها منظومة الاحتلال أمنها واستقرارها، وكشف كذلك عجز المقاربة التي تعاملت مع القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد ملف أمني أو إنساني قابل للإدارة، فإن السؤال المقابل يجب أن يكون:

هل كشفت التجربة أيضًا حدود النظام السياسي الفلسطيني القائم؟

أعتقد أن الإجابة لا يمكن أن تكون إلا نعم.

وهذا لا يعني التقليل من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، ولا من تضحيات منظمة التحرير وفصائلها، ولا من شرعية التمثيل الوطني الفلسطيني؛ بل يعني العكس تمامًا: أن إنقاذ المشروع الوطني يقتضي إنقاذ حامله السياسي من التآكل.

فمنظمة التحرير الفلسطينية ليست عبئًا ينبغي تجاوزه، وإنما هي الإطار الوطني الذي ينبغي استعادته وتطويره وتجديد شرعيته ووظيفته، بحيث تستعيد تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وتستعيد وحدة القرار الوطني واستقلاله، وتصبح قادرة على تحويل التعدد الفلسطيني إلى قوة، لا إلى انقسام.

«الورقة البيضاء» لا تكفي

تحدثت غانية عن «الورقة البيضاء»، ودعا بسيسو إلى التفكير في كيفية حمايتها من التمزق قبل الكتابة عليها. وهذه استعارة خصبة، لكنها تفرض سؤالًا عمليًا:

من سيكتب على الورقة؟ وبأي قلم؟ وبأي مرجعية؟ ولأي فلسطينيين؟

فلسطين ليست قطاع غزة وحده، ولا الضفة الغربية وحدها، ولا القدس وحدها، ولا الشتات وحده.

والشعب الفلسطيني ليس كتلة جغرافية واحدة حتى يمكن اختزال تمثيله في بنية سياسية تعكس جزءًا من وجوده وتغيب أجزاء أخرى.

ولهذا فإن أي مشروع لإعادة بناء الحامل الوطني يجب أن ينطلق من حقيقة أن وحدة الشعب الفلسطيني أوسع من حدود السلطة والجغرافيا والانقسام الفصائلي.

وهنا تبرز قيمة ما طرحه بسيسو عن «الزمكانية الفلسطينية الملتحمة»، وعن ضرورة وصل الفلسطينيين في الوطن ومخيمات اللجوء والشتات ضمن رؤية وطنية واحدة.

لكنني أتحفظ على شيء جوهري: لا يكفي أن نبني «شبكة» فلسطينية واسعة ومتعددة المراكز إذا انتهت هذه الشبكة إلى إعادة إنتاج تعدد المرجعيات السياسية.

التعدد مطلوب في المجتمع.

والتنوع مطلوب في القوى والتيارات.

والاختلاف مشروع في البرامج والاجتهادات.

لكن القرار الوطني الجامع لا يحتمل تعدد المرجعيات المتصارعة على الشرعية الوطنية.

وهنا يعود دور منظمة التحرير، لا باعتبارها هيكلًا بيروقراطيًا قائمًا بذاته، وإنما باعتبارها المؤسسة الوطنية الجامعة التي يجب أن تستوعب التعدد، وتنظم الاختلاف، وتحمي استقلال القرار الفلسطيني.

بين «البداية» و«المسار»

ربما يكون الخلاف بيني وبين غانية قد أصبح الآن أقل تعلقًا بالسابع من أكتوبر نفسه وأكثر تعلقًا بمعيار الحكم على التاريخ.

هي ترى أن البداية يمكن أن تثبت من خلال تغير شروط الرؤية والفعل، حتى قبل اكتمال النتائج.

وأنا أرى أن ذلك ممكن، ولكن بشرط أن نفرق بدقة بين ثلاثة مستويات:

فتح الإمكان، وبدء المسار، وتحقيق النتيجة.

قد يفتح الحدث إمكانًا جديدًا.

وقد يتحول الإمكان إلى مسار.

لكن ليس كل إمكان مسارًا، وليس كل مسار يؤدي بالضرورة إلى النتيجة.

والتاريخ مليء بلحظات فتحت آفاقًا ثم أُهدرت.

لذلك فإن القول إن الطوفان «فتح الإمكان» يبدو لي أكثر يقينًا من القول إنه «بدأ تصويب التاريخ». أما إثبات البداية، فيبقى حكمًا تاريخيًا مفتوحًا على الاختبار.

وهذا ليس خلافًا لغويًا.

إنه خلاف في المسؤولية السياسية.

لأن القول بأن التصويب قد بدأ يحمّلنا سؤالًا فوريًا: ماذا فعلنا بهذا التصويب؟

فإذا بقي الفلسطيني منقسمًا، وبقي القرار الوطني موزعًا، وبقيت غزة منفصلة سياسيًا عن الضفة، وبقي الشتات خارج صناعة القرار، وبقيت مؤسسات التمثيل الوطني عاجزة عن تجديد نفسها، فكيف يتحول الإمكان التاريخي إلى قدرة تاريخية؟

هنا لا يعود السؤال عن الطوفان.

بل عن الفلسطينيين بعد الطوفان.

التاريخ لا يصحح نفسه

هذه هي النقطة التي أعتقد أنها تستحق أن تكون خلاصة الحوار كله:

التاريخ لا يصحح نفسه.

الأحداث تكشف.

والزلازل تهدم أوهامًا.

والتحولات تفتح أبوابًا.

لكن البشر هم الذين يحولون الإمكان إلى فعل.

وإذا كان الطوفان قد كشف هشاشة بعض المسلمات التي حكمت المشهد قبل السابع من أكتوبر، فإن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نكتفي بالاحتفال بهذا الانكشاف، بدل أن نبني عليه.

فقد يكون الطوفان قد فتح نافذة.

لكن النافذة لا تصبح طريقًا إلا إذا عبر منها أحد.

وقد يكون قد أعاد فلسطين إلى قلب التاريخ.

لكن فلسطين لا تستعيد موقعها في التاريخ بمجرد أن يتحدث العالم عنها، بل عندما يستعيد شعبها قدرته على الفعل المنظم والمستقل والمستند إلى مشروع وطني جامع.

ومن هنا، فإنني ألتقي مع غانية في أن التجربة فتحت أسئلة كبرى لا يجوز إغلاقها، وألتقي مع بسيسو في أن أزمة الحامل السياسي الفلسطيني هي إحدى أعقد العقد التي تحول دون تحويل الطاقة الوطنية إلى قدرة تاريخية. لكنني أضيف أن معالجة هذه الأزمة لا تكون بورقة بيضاء فقط، ولا بشبكة مراكز فقط، ولا بإعادة توزيع الأدوار بين الفصائل، وإنما بإعادة بناء المؤسسة الوطنية الفلسطينية الجامعة على أسس جديدة.

مؤسسة تستوعب فلسطين كلها.

وتستعيد الشتات إلى القرار.

وتنهي احتكار الفصيل للتمثيل.

وتجدد شرعية منظمة التحرير ومؤسساتها.

وتفصل بين السلطة الوطنية المؤقتة وبين المشروع الوطني التحرري.

وتعيد الاعتبار لاستقلال القرار الفلسطيني.

وتحوّل التنوع السياسي من عامل تفكيك إلى مصدر قوة.

من الطوفان إلى ما بعد الطوفان

لذلك، ربما لم يعد السؤال الأكثر إنتاجًا هو:

هل كان السابع من أكتوبر بداية تصويب التاريخ؟

بل:

هل يستطيع الفلسطينيون أن يجعلوا منه بداية فعلية لمسار تصويب؟

وهذا سؤال مختلف تمامًا.

فالحدث وقع وانتهى إلى وقائع وكوارث وتداعيات لا يمكن التراجع عنها.

أما المسار، فهو ما يزال في أيدينا.

والتاريخ لم يصدر حكمه النهائي.

وهنا تكمن المسؤولية.

إن كان الطوفان قد فتح الإمكان، فعلينا أن نمنع ضياعه.

وإن كان قد كشف الانكشاف، فعلينا أن نحوله إلى وعي.

وإن كان قد هز المسلمات، فعلينا أن نبني البدائل.

وإن كان قد أعاد فلسطين إلى مركز التاريخ، فعلينا أن نعيد الفلسطيني إلى مركز صناعة القرار في تاريخه.

وهنا تحديدًا يصبح «تصويب التاريخ» مشروعًا فلسطينيًا، لا وصفًا لحدث.

فالزلزال لا يصنع المستقبل.
والانكشاف لا يصنع القدرة.
والإمكان لا يصنع المسار.
والمسار لا يصنع النتيجة إلا إذا امتلك شعبٌ ما حاملًا وطنيًا قادرًا على تحويل إرادته إلى فعل.

ولذلك، فإن المعركة الحقيقية التي تلي الطوفان ليست معركة تفسير ما حدث فقط، بل معركة بناء من يستطيع أن يصنع ما سيأتي بعده.

د. عبد الرحيم جاموس
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين
11/9/2026 م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com