7 أكتوبر: حين كانت المعلومات مكشوفة والحقيقة غائبة عن التقدير

بقلم ؛ د. عبدالرحيم جاموس
كلما تكشفت معلومات جديدة حول ما سبق 7 أكتوبر 2023، أصبح من الصعب اختزال ما حدث في عبارة «مفاجأة استخبارية». فالمشكلة لم تكن أن حماس كانت غير مرئية، ولا أن البيئة الفلسطينية في غزة كانت صندوقًا مغلقًا أمام أجهزة الأمن والمراقبة الإسرائيلية؛ بل إن المفارقة أن قدرًا كبيرًا من النشاط العسكري والتنظيمي والتدريبي كان مكشوفًا أو قابلًا للرصد، ومع ذلك لم يتحول ما كان مرئيًا إلى تقدير استراتيجي صحيح.
وتكشف مراجعات استخبارية ودراسات لاحقة أن إسرائيل كانت تملك مؤشرات متعددة: تدريبات تحاكي اقتحام المواقع العسكرية وخطف الجنود، أعمالًا على الحدود، ومعلومات عن خطط حماس، بل إن ما عُرف باسم «خطة أسوار أريحا» كان يتضمن تصورًا لعملية واسعة اقتربت في تفاصيلها من هجوم 7 أكتوبر. كما صدرت تحذيرات من داخل وحدة 8200 ومن مستويات استخبارية أخرى، لكنها لم تُعامل بالجدية التي تستحقها.
وهنا تكمن المسألة الجوهرية: المكشوف لا يعني المفهوم. والمعلومة لا تصبح معرفة استراتيجية بمجرد امتلاكها.
كانت إسرائيل ترى، لكنها قرأت ما تراه من خلال فرضية مسبقة: حماس مردوعة، ولا تريد حربًا شاملة، وما تفعله مجرد تدريبات أو استعراض للقوة. وحين تصبح الفرضية أقوى من الوقائع، تتحول التحذيرات إلى «ضجيج»، والخطر الحقيقي إلى احتمال مستبعد.
وهذا يفسر جانبًا مهمًا من الكارثة: لم يكن الفشل في جمع المعلومات وحده، بل في التقدير والربط واتخاذ القرار.
وتأتي الرواية الجديدة التي نشرتها «هآرتس» لتزيد الأسئلة ثقلًا؛ إذ قالت إن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد حذّر بنيامين نتنياهو، قبل الهجوم بنحو عشرة أيام، من عملية كبيرة يعد لها يحيى السنوار، وإن التحذير جاء في اتصال هاتفي مطول. وقد أكد مصدر إماراتي لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» وقوع الاتصال، بينما ينفي نتنياهو الرواية ويصفها بأنها مختلقة، ولذلك تبقى هذه الجزئية تحديدًا بحاجة إلى تحقيق رسمي مستقل يحسمها.
لكن حتى بمعزل عن هذه الرواية الأخيرة، فإن تراكم الأدلة السابقة كافٍ لطرح السؤال الحقيقي: كيف يمكن لمنظومة أمنية تملك هذا القدر من الرصد والمعلومات والتحذيرات أن تفشل في إدراك أن ما أمامها ليس مجرد تدريب، بل استعداد لعملية كبرى؟
إن الإجابة الأقرب ليست «لم نكن نعلم»، بل: كنا نعلم، لكننا لم نُحسن قراءة ما نعلم.
وهذا لا يثبت، في حد ذاته، أن الهجوم «سُمح به عمدًا»؛ فذلك ادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة وحاسمة. لكنه ينقل المسؤولية من مجرد «إخفاق استخباري» إلى سؤال أوسع عن مسؤولية منظومة التقدير والقرار السياسي والأمني: من رأى؟ ومن حذّر؟ ومن قلّل من شأن التحذير؟ ومن قرر ألا يغيّر مستوى الاستعداد؟
وهنا تحديدًا ينبغي التمييز بين الفشل في منع الهجوم وبين التعمد في السماح به. الأول أصبح ثابتًا بقدر كبير من الأدلة والتحقيقات؛ أما الثاني فلا يجوز تحويله إلى حقيقة قبل قيام الدليل.
ومن ثم فإن 7 أكتوبر لا يمكن أن يكون، كما يحاول البعض تصويره، مجرد «زلزال» يُساوى تلقائيًا بـ«تصحيح التاريخ».
فالزلزال ليس هو التصحيح، والانكشاف ليس هو الانتصار، والقدرة على إحداث الصدمة ليست بالضرورة قدرة على تغيير التاريخ.
التصحيح الحقيقي للتاريخ الفلسطيني لا يكون بتعظيم حجم الكارثة، ولا بتحويل الدم الفلسطيني إلى معيار للإنجاز، وإنما بإنهاء الاحتلال والاستيطان، واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وصون وحدة الشعب والأرض والقرار الوطني.
والسؤال الأعمق الذي يفرضه 7 أكتوبر ليس فقط: كيف لم ترَ إسرائيل ما كان أمام عينيها؟
بل: كيف يمكن للفلسطينيين والعرب أن يتعلموا نحن أيضًا أن نرى واقعنا كما هو، لا كما نرغب أن يكون؟
فالمشكلة تبدأ حين يصبح الوهم أكثر راحة من الحقيقة؛ وتنتهي حين ندفع ثمنه من الأرض والدم والتاريخ.
د. عبد الرحيم جاموس
10/9/2026 م
طاب مساءكم 🌺
📝 قراءة تحليلية في مقال «7 أكتوبر: حين كانت المعلومات مكشوفة والحقيقة غائبة عن التقدير..
للدكتور عبد الرحيم جاموس

بقلم: د.عادل جوده -من العراق.
🍄 المقدمة
يضعنا مقال د. عبد الرحيم جاموس أمام واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في قراءة أحداث 7 أكتوبر 2023، إذ ينقل النقاش من سؤال «كيف فوجئت إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن لمنظومة تمتلك كما هائلا من المعلومات والمراقبة والتحذيرات أن تفشل في تحويل المعرفة المتاحة إلى تقدير استراتيجي صحيح؟
وهنا تكمن قوة المقال.. فهو لا يكتفي بوصف الحدث، بل يفكك آليات الفشل التي جعلت الحقيقة مرئية، لكنها بقيت غائبة عن صناعة القرار.
💐 أولا:
حين تكون المعلومة حاضرة ويغيب الفهم
ينطلق الكاتب من قاعدة شديدة الأهمية في العمل الاستخباري والسياسي:
امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فهمها.
فالمؤشرات والتدريبات والتحذيرات والخطط لا تصنع وحدها وعيا استراتيجيا ما لم تجمع في صورة واحدة قادرة على كشف اتجاه الأحداث.
ولذلك فإن المفارقة الكبرى في 7 أكتوبر ليست غياب المعلومات، بل سوء قراءتها.
💐 ثانيا:
سطوة الفرضية على الحقيقة
يكشف المقال أن المشكلة كانت أعمق من خطأ تقني.. فقد أصبحت الفرضية المسبقة أقوى من الوقائع. افترضت المؤسسة الإسرائيلية أن حماس مردوعة، وأنها لا تريد مواجهة شاملة، فتحولت التحركات العسكرية المرصودة إلى مجرد تدريبات أو استعراض للقوة. وعندما تصبح الفرضية إطارا وحيدا للتفسير، فإن المعلومات المخالفة لها تفقد قيمتها، مهما بلغت خطورتها.
💐 ثالثا:
من الإخفاق الاستخباري إلى أزمة القرار
تتجلى أهمية المقال في رفضه اختزال الكارثة في عبارة «الفشل الاستخباري». فالمسألة تتصل بسلسلة كاملة تبدأ بجمع المعلومات، ثم تحليلها، وربطها، وتقدير دلالاتها، وانتهاء باتخاذ القرار.
لذلك فإن السؤال ليس فقط:
من كان يعلم؟ بل أيضا:
من حذّر؟
ومن استبعد التحذير؟
ومن امتلك سلطة تغيير مستوى الاستعداد ولم يفعل؟
وهنا تنتقل المسؤولية من الجهاز الاستخباري وحده إلى منظومة القرار السياسي والأمني بأكملها.
💐 رابعا:
بين الفشل ونظرية التعمد
من أكثر جوانب المقال اتزانا أنه يميز بوضوح بين حقيقة الفشل وبين الادعاء بأن الهجوم «سُمح به عمدا».
فوجود إخفاقات وتحذيرات لم تستثمر لا يكفي وحده لإثبات نظرية التعمد، التي تحتاج إلى أدلة مستقلة وحاسمة.
وهذا التمييز يمنح المقال قوة موضوعية؛ لأنه لا يستبدل التحقيق العلمي بالاستنتاج السياسي، ولا يسمح للغضب بأن يتحول إلى دليل.
💐 خامسا:
من قراءة إسرائيل إلى مراجعة الذات
لا يقف الكاتب عند حدود الفشل الإسرائيلي، بل يطرح سؤالا فلسطينيا وعربيا بالغ الأهمية:
هل نتعلم نحن أيضا أن نرى الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون؟
وهذه هي أعمق طبقات المقال.. فالتاريخ لا يصنعه الانفعال وحده، ولا تتحول الصدمة تلقائيا إلى انتصار استراتيجي.
إن قيمة أي حدث تقاس بما يتركه من قدرة على تصحيح المسار وحماية الإنسان واستعادة الحقوق.
🍄 الخاتمة
إن مقال د. عبد الرحيم جاموس ليس مجرد قراءة في إخفاق أمني سبق 7 أكتوبر، بل هو دعوة إلى تحرير العقل السياسي من أسر المسلمات والفرضيات المريحة. فالمعلومة التي لا تجد عقلا قادرا على تفسيرها قد تصبح عبئا، والتحذير الذي لا يجد إرادة سياسية تستجيب له يتحول إلى شهادة مؤجلة على الفشل.
أما فلسطينيا، فإن التصحيح الحقيقي لا يكون بتقديس الكارثة ولا بتحويل الدم إلى معيار للإنجاز، وإنما بتحويل الألم إلى مشروع وطني قادر على إنهاء الاحتلال والاستيطان، وصون وحدة الشعب والأرض والقرار، واستعادة الحقوق الوطنية المشروعة، وصولا إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
وهكذا يصبح الدرس الأعمق من 7 أكتوبر:
أن الحقيقة لا تكفي أن تكون مرئية بل يجب أن تكون مفهومة، وأن تتحول المعرفة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى مستقبل أكثر عدلا وحرية.
تحياتي واحترامي 🌹🌹🌹



